كانت جارتي الجديدة تطرق بابي كل صباح وهي تحمل طفلها الصغير وتطلب قليلًا من السكر… وكنت أظنها مجرد فتاة مهملة لا تعرف كيف تدير بيتها.لكن في أحد الأيام، همست لي بصوت مرتجف:
“أنا لا آتي من أجل السكر يا أمّ خالد… أنا آتي لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يسمح لي بها بالخروج من الشقة وأنا ما زلت على قيد الحياة.”
في المرة الأولى، شعرتُ بالانزعاج أكثر مما ينبغي.
كنت أعيش وحدي منذ سنوات، وأعتبر هدوء الصباح شيئًا مقدّسًا لا يُمسّ.
قهوة ساخنة…
نافذة مفتوحة…
وصوت المذيع يهمس بالأخبار القديمة.
ثم جاء ذلك الطَّرْق.
طرقات خفيفة… مترددة… كأن صاحبتها تخشى حتى صوت يدها.
فتحت الباب بضيق واضح، فرأيتها.
الجارَة الجديدة من الشقة 302.
وجه شاحب بشكل مخيف.
عينان مطفأتان كأن النوم هجرهما منذ شهور.
وطفل رضيع نائم فوق صدرها الصغير.
قالت بخجل وهي تخفض رأسها:
— “لو سمحتِ يا خالة… عندك شوية سكر؟”
أعطيتها نصف كوب فقط.
وأغلقت الباب بسرعة.
وقلت في نفسي بسخرية:
“معقول بيت كامل ما فيه سكر؟!”
لكن الغريب…
أنها عادت في اليوم التالي.
ثم الذي بعده.
ثم الذي بعده.
كل صباح.
في نفس الدقيقة تقريبًا.
الثامنة وسبع عشرة دقيقة.
دائمًا بعد صوت دراجة زوجها النارية وهو يغادر البناية.
ودائمًا وهي تحمل طفلها وكأنها تهرب به من شيء لا أراه.
كانت تنظر خلفها قبل أن تطرق الباب…
كأن أحدًا يراقبها.
وفي أحد الأيام، فتحت الباب قبل أن تطرق أصلًا.
قلت بضيق:
— “سكر مرة ثانية؟”
حاولت أن تبتسم…
لكن ملامحها انهارت قبل أن تصل الابتسامة إلى وجهها.
وهنا فقط انتبهت.
عيناها لم تكونا مرهقتين…
بل متورمتين من البكاء.
وشفتها فيها أثر كدمة خفيفة.
والطفل؟
كان يرتدي نفس الملابس الصفراء منذ أيام.
لم أرَ معها هاتفًا قط.
ولا حقيبة.
ولا حتى مفتاحًا.
وكلما سُمعت خطوات في الممر…
كانت ترتجف كأن الموت يقترب منها.
أنا أم خالد.
امرأة بلغت الثانية والسبعين.
ورأيت في عمري رجالًا يكسرون النساء ببطء…
حتى يختفي صوتهن تمامًا.
وفي صباح الاثنين التالي، حين طرقت الباب، لم أعطها السكر.
بل ابتعدت جانبًا وقلت بهدوء:
— “ادخلي.”
ترددت للحظة…
ثم دخلت بسرعة وكأنها ترتكب جريمة.
كانت رائحة الخوف تسبقها.
جلست على طرف الكنبة وهي تضم طفلها بقوة مؤلمة.
سكبت لها قهوة، وما إن أمسكت الفنجان حتى بدأت يدها ترتجف بعنف.
سألتها:
— “ما اسمك يا ابنتي؟”
— “ليان.”
— “والصغير؟”
— “آدم.”
فتح الطفل عينيه الصغيرة ونظر نحوي بنظرة متعبة بشكل لا يليق بطفل رضيع.
عندها خفضت صوتي وسألتها مباشرة:
— “ليان… هل تحتاجين فعلًا إلى كل هذا السكر؟”
وفجأة…
امتلأت عيناها بالدموع.
ليس دموع حزن عابر…
بل دموع إنسانة تعبت من الاختباء.
همست بصوت مكسور:
— “أنا لا آتي من أجل السكر.”
تجمّدت في مكاني.
اقتربت مني قليلًا ونظرت نحو الباب بخوف ثم قالت:
— “هذا هو العذر الوحيد الذي يسمح لي به للخروج من الشقة…”
شعرت بقلبي يهبط.
— “زوجك؟”
هزّت رأسها ببطء.
ثم قالت وهي تكاد تختنق:
— “هو يتحكم بكل شيء… المال… الهاتف… حتى حفاضات الطفل يعدّها واحدة واحدة. إذا تأخرت خمس دقائق يحقق معي. وإذا اتصلت بأمي يفتش الهاتف. وإذا نظرت من الشباك يسألني لماذا.”
ثم ابتسمت ابتسامة موجوعة وأضافت:
— “لكن المجيء إليكِ يسمح به… لأنه يقول إنك مجرد عجوز وحيدة ولن تؤثري عليّ.”
عجوز وحيدة؟
لو كان يعلم فقط…
أن النساء اللواتي دفنّ الخوف منذ سنوات يصبحن أخطر من الرجال أنفسهم.
ومنذ ذلك اليوم…
تحوّل بيتي إلى ملجأ سرّي.
كانت ليان تأتي كل صباح تحمل كوب السكر الفارغ…
وأنا أملؤه حتى الحافة كي يبدو الأمر طبيعيًا.
لكن تحت السكر…
كنت أخفي أشياء أخرى.
مالًا.
أرقام نجدة.
حفاضات.
نسخًا من الأوراق المهمة.
ومفتاحًا احتياطيًا.
بل وحتى هاتفًا قديمًا أخفيته داخل كيس أرز.
وكنت أهمس لها دائمًا:
— “لا تشغّليه عنده أبدًا.”
شيئًا فشيئًا…
بدأت الحياة تعود إلى وجهها.
ضحكت لأول مرة بعد أسابيع.
ضحكة خافتة في البداية…
كأنها تستأذن العالم أن تكون سعيدة.
ثم أخبرتني بكل شيء.
كيف بدأ سامر رجلًا لطيفًا…
ثم تحوّل تدريجيًا إلى سجن يمشي على قدمين.
في البداية:
“لا يعجبني خروجك كثيرًا.”
ثم:
“اتركي العمل… أنا مسؤول عنك.”
ثم:
“أهلك يفسدونك.”
ثم اختفت المفاتيح.
واختفى المال.
وبدأت الإهانات.
ثم الدفع بعنف.
ثم الاعتذار…
ثم الورود…
ثم يعود الجحيم من جديد.
وفي إحدى الليالي، بكت وهي تقول:
— “كنت دائمًا أقول إن هذا لن يحدث لي.”
فأمسكت يدها وقلت:
— “الوحوش لا تدخل حياتنا بوجوه مخيفة… بل بوجوه نحبها.”
احتجنا ثلاثة أشهر كاملة لنخطط للهروب.
ثلاثة أشهر نخفي فيها الأوراق داخل علبة بسكويت فوق الثلاجة.
ثلاثة أشهر نجمع المال بهدوء.
ثلاثة أشهر ننتظر اللحظة المناسبة.
وكانت تسألني دائمًا بخوف:
— “وماذا لو اكتشف الأمر؟”
فأنظر إلى عصاي الخشبية قرب الباب وأقول:
— “وقتها سيتمنى لو لم يقترب من بابي.”
لكن هذا الأسبوع…
تغيّر كل شيء.
شعرت بذلك قبل أن تتكلم.
في ذلك الصباح، لم تأتِ في موعدها المعتاد.
لم تأتِ عند الثامنة وسبع عشرة دقيقة…
بل عند الثامنة وواحد وأربعين دقيقة.
وجاءت بلا كوب السكر.
وشفتها مشقوقة.
وعيناها حمراوان من البكاء.
وآدم يصرخ بين ذراعيها بشكل هستيري.
همست وهي ترتجف:
— “لقد اكتشف الأمر.”
أغلقت الباب بسرعة وشعرت بقلبي يتسارع:
— “أي أمر؟!”
لكنها لم تُجب.
لأن صوت خطوات ثقيلة بدأ يقترب من الممر.
خطوات بطيئة…
مرعبة…
وواثقة بشكل جعل الدم يتجمّد في عروقي.
ثم توقف الصوت أمام باب شقتي تمامًا.
وصمتت البناية كلها.
وفجأة…
دوّى طرق عنيف على الباب.
فتحْتُ عينيّ على اتساعهما وأنا أحدّق في الباب.
الطرقات الثلاث لم تكن عادية.
لم تكن طرقات رجل يبحث عن زوجته فقط
بل طرقات شخص يعتقد أنه يملك كل شيء خلف هذا الباب.
ليان شهقت پخوف وضمّت آدم إلى صدرها حتى بدأ الطفل بالبكاء أكثر.
أما أنا
فوضعت فنجان القهوة بهدوء شديد فوق الطاولة.
ثم أمسكت عصاي الخشبية.
وعاد الطرق من جديد.
أقوى هذه المرة.
افتحي الباب يا حاجة!
كان صوته خشنًا، ممتلئًا بالڠضب والسيطرة.
نظرتُ إلى ليان.
كانت ترتجف بالكامل.
حتى شفتيها فقدتا لونهما.
همست
إنه سامر
اقتربتُ منها بسرعة وقلت
خذي الطفل وادخلي إلى غرفة النوم. الآن.
لكن
بدون نقاش.
ركضت بخطوات مرتبكة نحو الغرفة الصغيرة في آخر الممر، بينما بقيت أنا واقفة أمام الباب.
عاد الطرق مرة أخرى.
ثم صاح بصوت أعلى
أعرف أنها هنا!
ابتسمت ببطء.
ذلك النوع من الابتسامات الذي لا يظهر إلا حين تصل امرأة عجوز إلى مرحلة لا يعود فيها للخوف مكان داخلها.
فتحت الباب أخيرًا.
كان سامر طويلًا وعريض الكتفين، تفوح منه رائحة دخان ثقيل وڠضب أعمى.
نظر خلفي فورًا.
ثم قال بحدة
زوجتي هنا.
رفعت حاجبيّ ببرود
وهل أصبحت تدخل بيوت الناس دون سلام؟
نظر إليّ وكأنه لم يتوقع أن أرد بهذه الطريقة.
ثم حاول أن يتماسك وقال
هي خرجت من البيت دون إذني.
كدت أضحك.
دون إذني.
كأنها قطعة أثاث.
كأنها ليست إنسانة.
قلت ببطء
وهل زوجتك سجينة عندك؟
اشتد فكّه.
هذا شأن عائلي.
حين تصل المرأة إلى باب جارٍ وهي تبكي كل يوم، يصبح شأنًا إنسانيًا.
اتسعت عيناه فجأة.
وفي تلك اللحظة فقط فهم أنه تكلّم أكثر مما ينبغي أمامي خلال الأشهر الماضية دون أن يشعر.
اقترب خطوة.
اسمعي يا خالة لا تدخلي نفسك في أمور لا تخصك.
رفعت عصاي قليلًا.
وأنت اسمع يا ابني أنا ربيت رجالًا قبلك. فلا ترفع صوتك في بيتي.
تجمّد للحظة.
ربما لأن أحدًا لم يجرؤ على الوقوف بوجهه منذ وقت طويل.
وربما لأنه كان يظن أن العمر يعني الضعف.
لكنه لم يكن يعلم أن بعض النساء يزداد صلابة بعد السبعين.
حاول أن ينظر داخل الشقة مجددًا.
فأغلقت الباب نصف إغلاق وقلت
زوجتك ليست هنا.
أنت تكذبين.
وأنت قليل أدب.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم فجأة
رنّ هاتفه.
نظر إلى الشاشة بسرعة.
وتغيّرت ملامحه للحظة قصيرة جدًا لكنها لم تختفِ عن عينيّ.
ابتعد خطوتين وأجاب بصوت منخفض
قلت لك لا تتصل الآن.
شعرت بشيء غريب.
خوفه لم يكن من الشرطة.
ولا من هروب زوجته.
كان خائفًا من شخص آخر.
أنهى المكالمة بسرعة ثم عاد ينظر إليّ.
لكن هذه المرة لم يكن الڠضب وحده في عينيه
بل التوتر أيضًا.
قال ببرود
إذا جاءت إلى هنا مرة أخرى أخبريني.
ابتسمت بسخرية
طبعًا. وسأحضر لك القهوة أيضًا.
رمقني بنظرة حادة ثم غادر.
بقيت أراقب خطواته حتى اختفى عند المصعد.
ثم أغلقت الباب بسرعة.
كانت ليان جالسة على الأرض في الغرفة وهي تبكي بصمت، بينما آدم نائم بين ذراعيها من شدة الإرهاق.
جلست بجانبها.
ولأول مرة منذ عرفتها
اڼهارت بالكامل.
دفنت وجهها في يديها وقالت
سيقتلني.
وضعت
يدي على كتفها.
لا. لن يفعل.
أنت لا تعرفينه.
بل أعرف هذا النوع جيدًا.
رفعت رأسها نحوي ببطء.
فقلت
الرجال الذين يخيفون النساء داخل البيوت ينهارون عندما يواجههم
أحد.
لكن داخلي
لم يكن مطمئنًا.
لأن تلك المكالمة الهاتفية لم تغادر رأسي.
وفي تلك الليلة، لم تنم ليان في شقتها.
أغلقتُ الأبواب والنوافذ جيدًا، وأعددت لها فراشًا قرب غرفتي.
أما أنا
فجلست قرب النافذة أراقب الشارع.
وعند الثانية بعد منتصف الليل
رأيته.
سامر.
كان واقفًا داخل سيارته السوداء في الجهة المقابلة من الشارع.
لا يتحرك.
لا ېدخن.
لا ينظر إلى هاتفه.
فقط يحدّق نحو بنايتنا.
وكأنه ينتظر شيئًا.
أو شخصًا.
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
ثم حدث ما لم أكن أتوقعه أبدًا.
وصلت سيارة أخرى.
فاخرة جدًا.
نزل منها رجل أنيق يرتدي بدلة سوداء.
اقترب من سيارة سامر.
وبدآ يتشاجران بعصبية.
لم أسمع الكلمات
لكنني رأيت سامر ېصرخ.
ثم رأيت الرجل الآخر يدفعه پعنف.
وبعد ثوانٍ فقط
أخرج سامر ظرفًا بنيًا من داخل السيارة وسلّمه له.
الظرف نفسه كان يبدو ممتلئًا بالأوراق أو المال.
غادر الرجل الأنيق بسرعة.
أما سامر
فبقي واقفًا في الشارع يضرب سيارته بيده پغضب.
ثم رفع رأسه فجأة نحو شقتي.
وشعرت للحظة
أنه رآني خلف الستارة.
ابتعدت بسرعة عن النافذة وقلبي ينبض بقوة.
وفي الصباح التالي، استيقظت على صوت ليان تبكي من جديد.
دخلت المطبخ بسرعة فوجدتها ممسكة بهاتفها القديم الذي أخفيته لها.
كانت الشاشة مضاءة على رسالة واحدة فقط.
رسالة جعلت الډم يتجمّد في عروقي.
إذا لم تعودي اليوم ستندمين على شيء أغلى من حياتك.
وتحت الرسالة
صورة.
صورة لآدم
وهو نائم داخل سريره في الشقة.
لكن آدم كان بجانبنا طوال الليل
شهقتُ بقوة وانتزعت الهاتف من يد ليان.
أعدت النظر إلى الصورة مرة ثم مرتين
آدم كان فعلًا نائمًا في سريره داخل الشقة.
نفس الغطاء الأزرق.
نفس الدمية الصغيرة بجانبه.
لكن الطفل الحقيقي كان الآن بين ذراعي أمه يرتدي ملابس مختلفة وينظر إلينا بعينين مرهقتين.
همست ليان بصوت مرتجف
مستحيل مستحيل
لكنني كنت أعرف الحقيقة قبلها بثوانٍ.
الصورة لم تكن جديدة.
كانت رسالة ټهديد فقط.
صورة قديمة أراد سامر أن يقول بها شيئًا واحدًا
أنا أراقبكم.
أخذت نفسًا عميقًا وقلت
اهدئي يريد إخافتك فقط.
لكنها لم تهدأ.
جلست على الأرض وهي تضم آدم بقوة حتى بدأ الطفل بالبكاء من شدة ضغطها عليه.
كانت على حافة الاڼهيار.
وهنا أدركت أن الوقت انتهى.
لم يعد لدينا رفاهية الانتظار أو التخطيط البطيء.
إما أن تهرب اليوم
أو لن تستطيع الهرب أبدًا.
أغلقت الستائر جيدًا.
ثم صعدت فوق الكرسي وأحضرت علبة البسكويت القديمة من أعلى الثلاجة.
وضعتها أمام ليان وفتحتها.
كل شيء كان هناك.
الأوراق.
النقود.
الهاتف.
العنوان الذي كتبته لها بخط يدي.
ورقم أختها في دبي.
قلت بحزم
اسمعيني جيدًا. ستغادرين اليوم.
رفعت رأسها نحوي پخوف
كيف؟ هو يراقب الباب.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ثم قلت
إذًا لن نخرج من الباب.
نظرت إليّ بعدم فهم.
أما أنا
فذهبت مباشرة نحو غرفة التخزين الصغيرة قرب المطبخ.
فتحت الباب بصعوبة وسط الغبار والصناديق القديمة.
وفي الخلف
كان هناك باب حديدي قديم لم يُستخدم منذ سنوات.
باب يؤدي إلى الممر الخلفي للبناية.
الممر نفسه الذي كان عمّال النظافة يستخدمونه قديمًا لإخراج
القمامة.
حدّقت ليان في الباب وكأنها ترى معجزة.
همست
لم أكن أعرف بوجوده.
ولا سامر يعرف.
لأول مرة منذ أشهر
رأيت شيئًا يشبه الأمل في عينيها.
أعطيتها حقيبة صغيرة وضعت فيها الملابس والأوراق.
ثم أمسكت وجهها بكلتا يديّ وقلت
استمعي إليّ يا
ابنتي عندما تخرجين من هنا، لا تنظري خلفك أبدًا.
بدأت بالبكاء.
لن أنسى ما فعلتهِ معي.
ابتسمت وربتُّ على خدها
حين تكبرين أنتِ أيضًا ساعدي امرأة أخرى. هذا يكفيني.
ثم حملت آدم.
وفتحت الباب الحديدي ببطء.
صدر صوت صرير خاڤت جعل قلوبنا تتوقف للحظة.
انتظرنا.
لا شيء.
الممر الخلفي كان فارغًا.
نظرت ليان نحوي للمرة الأخيرة.
وكان الخۏف والأمل والحزن ممتزجين في عينيها بشكل مؤلم.
ثم خرجت.
خطوة
ثم أخرى
حتى اختفت في نهاية الممر.
وأغلق الباب خلفها.
وقفت وحدي داخل الشقة الصامتة.
أنظر إلى الباب الحديدي وكأن جزءًا من قلبي خرج منه.
لكن الراحة لم تدم طويلًا.
لأن طرقًا عنيفًا هزّ الباب الرئيسي فجأة.
پعنف هذه المرة.
ثم جاء صوت سامر صارخًا
افتحي الباب!
أخذت نفسًا عميقًا.
ومشيت ببطء نحو الباب.
كنت أعرف أنه اكتشف اختفاءها.
فتحت الباب قليلًا.
وكان واقفًا أمامي كوحش فقد السيطرة أخيرًا.
وجهه أحمر.
وعيناه مليئتان بالجنون.
صړخ
أين هي؟!
نظرت إليه بهدوء غريب حتى أنا لم أفهم مصدره.
ثم قلت
لا أعرف.
حاول أن يدفع الباب ليدخل.
لكنني ضړبت الأرض بعصاي بقوة.
إياك.
تجمّد للحظة.
ثم صاح
أنتِ ساعدتها على الهرب!
ابتسمت بسخرية
وأخيرًا قلت شيئًا صحيحًا.
اندفع نحوي پغضب
لكن قبل أن يصل إليّ، سمعنا صوتًا خلفه
شرطة! لا تتحرك!
الټفت سامر پصدمة.
وكان ثلاثة رجال شرطة يصعدون الدرج بسرعة.
وخلفهم
الرجل الأنيق نفسه الذي رأيته الليلة الماضية.
لكن هذه المرة لم يكن يرتدي بدلة فقط
بل كان يحمل شارة رسمية.
اقترب أحد الضباط وأمسك سامر پعنف.
بدأ ېصرخ ويحاول المقاومة
هذه العجوز تكذب! زوجتي مچنونة!
لكن الضابط قال ببرود
لدينا بلاغات، وتحويلات مالية مشپوهة، وكاميرات مراقبة ويبدو أن مشاكلك أكبر بكثير من زوجتك.
تجمّدت عيناي.
تحويلات مالية؟
إذًا لهذا كان خائفًا.
لم يكن يخفي تعنيف زوجته فقط
بل كان متورطًا في أمور أخطر بكثير.
حاول سامر النظر نحوي للمرة الأخيرة.
وكانت الكراهية تشتعل في عينيه.
أما أنا
فاكتفيت بالنظر إليه بصمت.
ذلك الصمت الذي لا يملكه إلا شخص انتصر بعد خوف طويل.
اقتادوه مكبل اليدين.
واختفى صوته تدريجيًا مع نزوله الدرج.
ثم عاد الهدوء إلى البناية.
ذلك الهدوء نفسه الذي كنت أحبه قديمًا
لكنه لم يعد الوحدة نفسها.
بعد أسبوعين
وصلتني رسالة من رقم غريب.
فتحتها ببطء.
وكانت صورة.
ليان
تقف على شاطئ البحر وهي تضحك.
وآدم بين ذراعيها يرتدي قبعة صغيرة ويبتسم لأول مرة.
وتحت الصورة رسالة قصيرة
لم أعد أطلب السكر يا أم خالد لقد أصبحت أتنفس أخيرًا.