في اجتماع العائلة، أبوي طلب مني بكل برود أتنازل عن البنتهاوس اللي يسوى ملايين لعشان زوجة أخوي الحامل… وهو ما كان يدري إن جدي قبل وفاته نقل ملكية البرج كامل باسمي أنا وحدي.

“مجلس العائلة قرر خلاص. طارق وريم يحتاجون البنتهاوس في برج الشرق عشان حفيد العائلة، وأنتِ بنت ولسه مو متزوجة، جهزي نفسك وطلعي قبل الشهر الجاي.”
كلمات أبوي نزلت عليّ مثل الماء البارد مباشرة بعد صلاة الجمعة.
لما شفت ابتسامة أخوي المتشفية، ونظرات ريم وهي تلمس بطنها المنتفخ تحت الفستان الحريري الفخم، عرفت إني رسميًا صرت الغريبة داخل هذا البيت.
أبوي — الرجل اللي الكل يخاف كلمته داخل العائلة — كان واقف ببشته الأسود المطرز بالذهب وكأنه يعلن حكمًا نهائيًا، وهو يقول بثقة إنه يملك كامل السلطة بصفته المسؤول عن صندوق العائلة الاستثماري.
حتى أخوي ضحك بسخرية وقال:
“يلا يا مريم، لا تعقدين الموضوع. أنتِ مو متزوجة وعندك شركتك الخاصة ودخلك ممتاز، تقدرين تستأجرين أي مكان في المارينا. لا تصيرين أنانية.”
ولا واحد منهم حتى فكر يسألني عن رأيي.
ولا أحد تعب نفسه يراجع وصية جدي الحقيقية قبل وفاته.
كلهم كانوا مقتنعين إني مجرد بنت مالها صوت، لازم تتنازل عن مكتبها وحياتها وإطلالتها على الخليج لزوجة أخوي وطفلهم القادم.
شعرت بمرارة تخنقني.
عدلت عبايتي وطلعت بدون كلمة، بينما رسائل الإهانة بدأت تنهمر في قروب العائلة، يتهموني بالعقوق وقلة الأصل.
لكن الشيء اللي ما كانوا يعرفونه…
إن جدي قبل وفاته بسنة، وهو على سرير المرض، سلّمني مفتاح الخزنة بنفسه.
وبسرية تامة…
سحب برج الشرق كامل من صندوق العائلة، ونقل ملكيته باسمي وحدي.
ولما أخوي بعد أيام جاب عمال ومعهم أدوات لكسر القفل الإلكتروني للبنتهاوس، وبدأ يرمي أغراضي بعنف وهو يظن إن المكان صار ملكه…
ما كان يتوقع إن اللي بينتظره مو جناح فاخر جديد…
بل صفارات شرطة الكويت…
وأصفاد باردة تلتف حول يديه.
تم استدعاء اجتماع العائلة عصر يوم الجمعة بعد صلاة العصر مباشرة — وكان المفروض هالشي يكون أول إنذار لي. أبوي، يوسف آل صباح، عمره ما يلغّي جلسة الديوانية وعصر الجمعة مع شركاه بالتجارة. إذا كسر جدوله ورجّعني للفيلا في السالمية، فمو لأنه يبي يسمع رأيي… بل لأنه كان يبي جمهور يتفرج على استعراضه.

كنت قاعدة على كنبة مخمل مطرزة بخيوط ذهبية — قطعة أثاث فخمة لكنها باردة ومخيفة من عشر سنين وهي بنفس مكانها في الصالة الكبيرة — وحاضنة كاسة دَهْم بارد بين إيديني. المكان كله معبّي بريحة العود الغالي، ومعطر الورد، والمسك الثقيل اللي أمي تحبه.

أبوي كان واقف قدام الواجهة الزجاجية المطلة على الخليج، لابس بشت مطرز بخيوط ذهب فوق الدشداشة البيضا المكوية بعناية. أمي، فاطمة، كانت جالسة على طرف الكرسي، أصابعها المليانة خواتم ألماس تمسك بطرف الطرحة بعصبية. أخوي طارق كان يتمشى رايح جاي، صرير أسنانه واضح، والعقال فوق راسه مايل شوي من التوتر. وحرمة أخوي، ريم، كانت جالسة بثقة، حاطة يدينها فوق بطنها الحامل تحت الفستان الحرير الغالي. محد قالها بصراحة… لكن البيبي اللي بالطريق صار محور الكون عند عائلة آل صباح.

قال أبوي بصوته الثقيل المعتاد:
“يعطيج العافية على حضورج يا مريم. عندنا موضوع مهم يخص البنتهاوس في برج شرق.”

قلبي انقبض فورًا. برج شرق. حتى قبل لا يذكر رقم الشقة، تخيلتها كاملة قدامي: البنتهاوس الدوبلكس المطل على أبراج الكويت، الأرضية الرخام الأبيض، وصندوق البريد الفضي المحفور عليه اسم جدي. برج جدي الراحل، طارق آل موريسون. برجي أنا.

تنحنح أبوي وقال:
“مثل ما تعرفون، الشقة الأربع غرف ببرج شرق تعتبر من أملاك العائلة من يوم اشترى الوالد الأرض كاملة سنة 1992. وإنتِ ساكنة فيها من ثلاث سنين مقابل رسوم رمزية فقط لصندوق الوقف العائلي اللي يملك العقار قانونيًا.”

“قانونيًا.”
الكلمة علقت بحلقي مثل السم.

كمل أبوي وهو يشبك إيدينه ورا ظهره:
“طارق وريم بيستقبلون ولدهم الأول، وريث العائلة. يحتاجون مكان يناسب مكانتهم أكثر من الفيلا الحالية. أما إنتِ يا مريم، بنت وعزباء، وعندج أربع غرف كاملة بروحج.”

حطيت كاسة الشاي بهدوء فوق الطاولة، رغم إن أصابعي كانت باردة تحت خواتم الزمرد.
قلت:
“غرفتين منهم شغلي. أدير شركة تسويق وشبكة إعلامية من البيت، وأحتاج خصوصية.”

قاطعتني أمي بسرعة:
“تقدرين تشتغلين بأي فندق خمس نجوم ولا مكتب مشترك. بنات هالزمن كلهم يشتغلون من اللابتوب. مو معقولة بنت بدون زوج تاخذ كل هالمساحة.”

أبوي رفع إيده يقاطعها:
“طارق بيصير أب. والبنتهاوس يليق فيهم أكثر. وإحنا قررنا تطلعين قبل رمضان. عندج أربع أسابيع ترتبين أمورج.”

الكلمات بالبداية حسّيتها سخيفة… كأنها مشهد من مسلسل مبالغ فيه، مو شي يصير لي صدق.

رفعت عيني فيه وقلت:
“إنتو قررتوا؟”

ابتسم أبوي ابتسامة باردة:
“مجلس العائلة قرر. لازم نفكر بمصلحة وسمعة آل صباح.”

طارق وقف وعدل خاتم العقيق بإيده وقال باستهزاء:
“يلا يا مريم، لا تعقدين الأمور. إنتِ مو متزوجة وراتبج أعلى منّا كلنا، تقدرين تستأجرين أي شقة بالمارينا. إحنا نحتاج المكان حق غرفة البيبي.”

ريم دخلت بالكلام وهي تبتسم بنظرة غيرة:
“صراحة حتى شغلك ما شاء الله يجيب فلوس أكثر منا. طارق كلمني عن عقود الإعلانات اللي عندج.”

فكي تشنج من العصبية. فكرة إنهم قاعدين يناقشون دخلي على سفرة العشا مثل لعبة تخمين خلت الدم يغلي بعروقي.

قلت بصوت بارد:
“أموري المالية مو موضوع للنقاش.”

رد أبوي بنبرة حادة:
“تصير موضوع لما تتعلق بممتلكات العائلة. الشقة للوقف، وجدج تركها لخدمة العائلة. والحين طارق أولى فيها.”

وقفت ببطء وعدلت العباية السودا على كتفي:
“أحد فيكم أصلًا راجع أوراق الوقف الأصلية قبل لا يقرر؟”

أمي لوّحت بإيدها:
“أبوج هو المسؤول القانوني عن الوقف، يعرف شيسوي.”

قلت:
“أبي أشوف النسخ الأصلية الموثقة من المحكمة.”

“مريم، لا تعاندين.”
صوت أبوي صار ثقيل ومليان تهديد.
“الموضوع انتهى. طارق وريم بينقلون أول الشهر.”

تنفست ببطء وقلت:
“تمام. أجل أبي نسخة رسمية من أوراق الوقف، ووثائق الملكية، وأي قرار قانوني يسمح لكم تطلعوني من بيتي.”

احمر وجه أبوي بعصبية، اللون صعد من ياقة الدشداشة:
“ما تحتاجين أي أوراق! أنا أبوك ورئيس العائلة!”

ابتسمت بهدوء:
“وأنا مواطنة مالكة للعقار، وأبي أمر رسمي من المحكمة.”

لفيت ظهري ومشيت.

ولا أحد وقفني.
ولا أحد حتى ودعني للبورش اللي كانت تنتظر برا.

وبمجرد ما طلعت من السالمية وسط هوى الليل، تلفوني انفجر برسائل العائلة: “جاحدة”، “أنانية”، “فضحتينا”.

لكن اللي ما كانوا يعرفونه…
إن جدي قبل وفاته في مستشفى الأميري ناداني بروحي.

إيده كانت ضعيفة وهو يعطيني مفتاح صندوق أمانات بالبنك المركزي، وهمس بصوت متقطع:
“أبوك مغرور وفاضي من الداخل… وطارق مجرد ولد مدلل راح يضيّع كل شي. لو خليت البرج تحت إدارة الوقف، بيرهنونه للبنوك خلال خمس سنين. أنا طلعت برج شرق من الوقف بالكامل… وحولته باسمج إنتِ يا مريم.”

ملكية البرج كانت باسمي من زمان.
أما الوقف اللي أبوي يتفاخر فيه… فكان مجرد قشرة فاضية.

اتصلت بمحاميّي فورًا:
“ابدأ.”

الأسبوع اللي بعده، كنت جالسة أراجع خطط الشركة بالبنتهاوس لما انفتح الباب بعنف.

طارق دخل ومعاه عاملين شايلين عتلات وصناديق.
وريم تمشي وراه تتفرج على المكان بعين مليانة طمع.

ضحك وقال:
“لسه ما طلعتي؟ يلا بنساعدج.”

وقفت بهدوء وقلت:
“إنت جاي تكسر أقفال بيتي؟”

رفع حواجبه بثقة:
“بيتج؟ أبوي عطاني صلاحية.”

ريم صرخت:
“كافي أنانية! إحنا بنجيب وريث العائلة!”

طلعت تلفوني واتصلت على 112.

بعد ربع ساعة، شرطة مخفر شرق دخلت الشقة.

طارق حاول يمثل دور الرجل المهم:
“هذي شقة العائلة وأختي ترفض تطلع.”

قدمت هويتي المدنية ووثيقة الملكية الأصلية باسم:
Maryam Al-Sabah.

قلت بهدوء:
“أنا المالكة القانونية الوحيدة للعقار. وهذا الشخص اقتحم المنزل وخرب ممتلكاتي.”

الضابط طالع الختم الرسمي… ثم لف على طارق اللي فجأة اختفى اللون من وجهه.

قال الضابط ببرود:
“حط العتلة على الأرض وارفع إيدينك. إنت موقوف بتهمة الاقتحام والتخريب.”

ريم انهارت تصرخ، وطارق طلع من البرج مكبل بالكلبشات قدام الحراس وسكان شرق.

وبعد ثلاث شهور، بالمحكمة العليا في الكويت، القاضي أكد رسميًا إن جدي نقل ملكية البرج بالكامل لي قبل وفاته، وإن الوقف ما له أي صلاحية عليه.

أبوي وقتها كان يرتجف تحت البشت.

أما أنا… فوقفت وعدلت عبايتي وقلت بابتسامة هادئة:

“قلت لك يا يبه… راجع أوراق جدي زين.”

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top