إلى اليوم، ما زلت أتذكر ذاك الإحساس وكأن قلبي توقف تمامًا في اللحظة اللي اقترب فيها طارق من أذني. كان نَفَسه الساخن يلامس وجهي، وهمس بصوت منخفض وخشن أثار القشعريرة في جسدي:
“الليلة… راح تدخلين تخدمين أبوي، تمام؟”
ضحكت تلقائيًا، وظنيت إنه يمزح. حفلة الزفاف الفاخرة اللي أقيمت اليوم في الفندق المطل على مارينا الخليج كانت مرهقة جدًا، واعتقدت إنه فقط يحاول يخفف التوتر بعد يوم طويل مليء بضيوف من الطبقة الراقية.
لكن طارق ما كان يضحك.
كانت نظراته جامدة وباردة بشكل خلّى غرفة النوم تصير كأنها ثلاجة، رغم حرارة صيف الكويت الملتهبة خارج القصر.
وكانت تلك… ليلة زفافنا.
اسمي سميرة، عمري 26 سنة، أعمل محاسبة وانتقلت مؤخرًا للعمل في شركة استيراد وتصدير كبيرة بمدينة الكويت. كنت راضية بحياتي البسيطة إلى أن تعرّفت على طارق — رجل أعمال ثري ولبق، يملك قصرًا فاخرًا من طابقين في منطقة السالمية.
كل صديقاتي كنّ يقلن إن حظي عظيم، لأني تزوجت رجلًا كويتيًا غنيًا ولن أضطر للعيش في شقق ضيقة بمناطق العمال في الجهراء.
دخلت هذا الزواج وأنا مليئة بالسعادة… حتى مزّقت تلك الكلمات هدوء الليل.
شرح طارق الأمر بكل برود، وقال إن والده، الحاج جابر، رجل كبير في السن ويعاني من أل.م في الظهر وأرق بعد مشاكل عائلية قديمة، ويحتاج من زوجة ابنه الجديدة أن تدلك ظهره وتحضّر له شاي الأعشاب بدلًا عنه.
لكن شيئًا داخلي كان يصرخ أن هناك أمرًا غير طبيعي.
ورغم خوفي، أقنعت نفسي أن هذا مجرد واجب من واجبات الكنة الجديدة، فابتلعت دموعي وهززت رأسي بالموافقة.
نزلت الدرج ببطء، بينما أضواء الممر الصفراء ترسم ظلالًا طويلة ومخيفة فوق جدران الرخام.
وحين وقفت أمام باب غرفة والد زوجي، كانت يداي باردتين وترتجفان بشدة. طرقت الباب بصوت خافت وقلت:
“عمي… أنا سميرة.”
لكنّي لم أكن أعرف أبدًا أن خلف ذلك الباب الخشبي كانت تختبئ حقيقة قا.سية ستغيّر حياتي بالكامل…
انفتح الباب ببطء…
وعكس كل شيء كنت أتخيله، ما كان المشهد مقزز أو مرعب بالطريقة اللي توقعتها. أول شيء ضربني كان ريحة الأعشاب الطبية والمطهّرات اللي معبّية الغرفة. وعلى السرير الخشبي الكبير، كان والد زوجي — رجل العقارات المعروف اللي كانت الناس تخاف اسمه يومًا — مستلقيًا بجسد منهك، ووجهه شاحب وغارق بالتعب، وعيناه ثابتتان على السقف كأنه عالق داخل نفسه.
ولما شافني داخلة بفستان النوم الحريري، فجأة بدأ يتحرك بعصبية، يطلع أصواتًا متقطعة غير مفهومة، ويداه النحيفتان ترتجفان في الهواء كأنه يحاول يحذرني من شيء.
وفي تلك اللحظة… اكتشفت الحقيقة اللي جمّدت الدم بعروقي.
إحدى ساقيه كانت مربوطة بسلسلة حديدية إلى السرير، مخفية بعناية تحت البطانية.
مو مثل ما كان طارق يقول أبدًا.
الرجل ما كان هادئًا أو قليل الكلام بطبيعته… هو تعرّض لجلطة قوية قبل ستة أشهر، أصابته بشلل نصفي وسلبته القدرة على الكلام.
وبكل قوته المتبقية، دفع نحوي ورقة صغيرة كانت مخبأة تحت الوسادة.
يدي كانت ترتجف وأنا أفتحها.
كانت إيصال ديون قديم… مكتوب بخط طارق نفسه.
الحقيقة كانت صادمة:
طارق خسر مبالغ ضخمة في المراهنات وصفقات الأراضي الفاشلة، وصار غارقًا بديون خطيرة. حتى البيت نفسه والصيدلية القديمة الخاصة بوالده، استخدم أوراقًا مزوّرة وتواقيع مزيفة لرهنها بدون علمه.
الفصل الثاني: المسرحية القذرة
قبل ما أستوعب كل شيء، سمعت خطوات طارق خلفي.
دخل الغرفة… لكن مو بنفس الوجه اللطيف اللي عرفته.
كانت ابتسامته باردة بشكل مخيف.
نظر إلى والده، ثم التفت لي وقال بكل هدوء:
“الحين فهمتي، صح؟ الرجال ما عاد يقدر يوقّع ولا يتحكم بأي شيء… وكل ثروة هالبيت اختفت من زمان.”
صرخت بوجهه:
“أنت خدعتني؟! تزوجتني بس عشان أتحمل ديونك معك؟”
اقترب مني فجأة وأمسك ذقني بقوة وقال بنبرة قاسية:
“شطورة… الدائنين ضاغطين علي بشكل مو طبيعي. حساباتك نظيفة، وسجلك ممتاز. أبيك توقعين كضامن عشان آخذ قرض جديد وأسدد بعض الديون.”
ثم ابتسم ابتسامة باردة وأضاف:
“وبالمقابل… تظلين سيدة هالبيت. أما إذا رفضتي… الناس اللي وراي ممكن يوصلون لأهلك.”
وفجأة فهمت كل شيء.
كل الهدايا، وكل الاهتمام، وحتى كوب الشاي اللي كان يجهزه لي كل يوم خلال الأشهر الماضية… كلها كانت مجرد تمثيلية محسوبة بدقة.
هو ما كان يبحث عن زوجة.
كان يبحث عن ضحية.
امرأة بسيطة تعمل بالمحاسبة، تملك سجلًا ماليًا نظيفًا ويقدر يستخدمها كواجهة لإنقاذ نفسه.
أما فكرة دخولي لغرفة والده تلك الليلة… فكانت مجرد طريقة حتى يريني بعيني حجم عجز والده، ويحبسني داخل زاوية ما أقدر أهرب منها.
الخاتمة: انتقام امرأة تعرف لغة الأرقام
وأنا أنظر لوالده المقيد على السرير، وللرجل اللي كنت أظنه شريك حياتي، شعرت ببرودة غريبة تسري في داخلي.
لكنني أعمل بالمحاسبة…
والأزمات علمتني كيف أبقى هادئة.
ما بكيت.
ما ترجّيته.
نظرت مباشرة في عينيه وقلت بهدوء:
“تمام… بكرة أشوف أوراق القرض.”
ابتسم طارق بثقة وخرج من الغرفة، وهو يظن أنه انتصر.
لكنه ارتكب أكبر غلطة في حياته…
استهان بامرأة تعرف كيف تتعامل مع الأرقام والوثائق.
وخلال الثلاثة أشهر التالية، لعبت دوري بإتقان.
كنت أعتني بوالده وكأن شيئًا لم يحدث، لكنني سرًا صوّرت كل الأوراق المزورة، وسجلت تهديداته وكلام الرجال الذين يطالبونه بالمال.
وفي يوم تقديم القرض…
بدل ما أوقع الأوراق، حملت الملف كاملًا واتجهت مباشرة إلى الشرطة.
بعد أيام قليلة، تم القبض على طارق داخل مكتبه العقاري وسط صدمة الجميع، وأمرت المحكمة بتجميد البيت وإعادة ملكيته القانونية لوالده.
أما أنا، فقد رفعت دعوى طلاق وغادرت ذلك المنزل إلى الأبد.
وقبل رحيلي الأخير، وظفت ممرضًا خاصًا للعناية بوالده.
وقفت أمام الرجل العجوز وهو يبكي بصمت فوق سريره، وانحنيت مودعة إياه للمرة الأخيرة.
وفي تلك اللحظة فهمت درسًا لن أنساه أبدًا:
بعض الأشياء اللامعة والمغطاة بالسكر… تكون أحيانًا السمّ الذي يدمّر حياتك بالكامل.