“شاف طليقته تعد الخردة (البيزات) عشان تشتري وجبة لتوأمها، وهو ما يدري إنهم عياله.. وهد الصفقة اللي كانت بتخليه فوق بالسمامحد يقدر يلوحه.”
الجزء الأول: “ملك الخرسانة” ينكسر في شرق
كان خالد الهاجري يدير مفاوضات بمليارات الدنانير في مدن العالم: نيويورك، لندن، سنغافورة، ودبي. في الكويت، كان يُعرف في السوق بلقب “ملك الخرسانة”. جرة قلم واحدة من خالد كفيلة بتحويل الأراضي الفضاء في “السالمية” أو “شاطئ المسيلة” إلى أبراج سكنية فاخرة ومجمعات تجارية تضج بالملايين. كان مؤمناً أن قلبه قد قُدّ من صخر ولا شيء يهزه.
حتى جاء ذلك العصر من يوم جمعة عادي. توقف خالد بسيارته الـ “رولز رويس” عند مخبز ومقهى شعبي صغير في منطقة “شرق” ليأخذ قهوة سريعة. بمجرد أن وطأت قدمه الباب، تسمر في مكانه.
عند الكاونتر كانت تقف منيرة الراشد… طليقته.
لم تكن تراه. شعرها ملفوف بشال بسيط، وعباءتها عادية جداً، وعلامات الإرهاق ترتسم على وجهها. لم تكن تشبه تلك المرأة الأنيقة التي كانت تقف بجانبه في الحفلات الدبلوماسية وسيدات الأعمال. بجانبها كان يقف طفلان توأم يشبهان بعضهما تماماً؛ أحدهما يتأمل قطعة حلوى خلف الزجاج كأنه يرى كنزاً، والآخر يمسك دفتراً صغيراً مليئاً برسومات الصواريخ والكواكب.
فجأة، سمع خالد الولد الهادئ منهما يقول بصوت خفيض:
— “يما، إذا الفلوس ما تكفي.. ما أبي حلاو، بس خبز.”
الكلمة نزلت على قلب خالد كالصاعقة، أقوى من خسارة أي مناقصة في تاريخه. ابتسمت منيرة للطفل بحنان وقالت:
— “تكفي يا بعد عيني، بس خلنا نعدها بالراحة.”
بدأت تخرج الدنانير المعدنية (الخردة) وتعدها على الكاونتر قطعة قطعة. كاشير المخبز، بدافع الشهامة، وضع قطعاً إضافية في الحقيبة دون أن يحسبها. حاولت منيرة الرفض تعففاً، لكن وجوه الأطفال أشرقت من الفرحة.
لم يحتمل خالد المشهد. تراجع إلى الخلف وخرج سريعاً قبل أن تلمحه. لأول مرة منذ سنوات، كانت يداه ترتجفان على مقود السيارة.
الجزء الثاني: الحقيقة المُرّة في برج جاسم
في الليل، وهو يجلس وحيداً في مكتبه الفاخر بـ “برج جاسم” المطل على أضواء العاصمة، لم يغب مشهد منيرة وعيون التوأم عن خياله. اتصل بمساعدته التنفيذية وقال بنبرة حادة:
— “أبي تقرير كامل عن منيرة الراشد.. كل شيء.”
في الصباح، كان الملف على مكتبه. منيرة لديها طفلان توأم: راشد وفهد، عمرهما أربع سنوات. انقطع نفسه للحظة عندما قرأ تاريخ الولادة: التوأم ولدا بعد 7 أشهر فقط من طلاقنا!
تابع القراءة وعيناه تغرقان في التفاصيل التي دمرته: منيرة تعمل معلمة علوم للمرحلة المتوسطة في مدرسة حكومية بمنطقة “الفحيحيل”، وتقطع المسافة يومياً بسيارة قديمة ومتهالكة. وفوق هذا، تراكمت عليها ديون للمستشفيات تجاوزت 35 ألف دينار كويتي بسبب ولادة التوأم المبكرة والمضاعفات الطبية التي واجهتهما في “الشيشة” (الحاضنة). لقد حملت هذا الحمل الثقيل كله بمفردها كبرياءً وكرامة.
أراد خالد مساعدتها دون أن يفرض نفسه أو يفتح دفاتر الماضي، فتبرع بمبلغ مليون ونصف دينار كويتي للمدرسة التي تعمل بها لإعادة بناء مختبرات العلوم بأحدث التقنيات، كمتبرع مجهول من أهل الخير. واشترط ألا يُذكر اسمه.
الجزء الثالث: المواجهة خلف أبواب “مشرف”
بعد ثلاثة أيام، تهاوت خطة خالد. سمعت منيرة بالصدفة مهندس الموقع وهو يتحدث بالهاتف: “طال عمرك أبو راشد (خالد الهاجري)، الأستاذة منيرة وايد أعجبها المختبر، ومحد يدري إنك أنت اللي دافع الحساب.”
في تلك الليلة، بعد أن نام الصغار في شقتهما الإيجار بمنطقة “مشرف”، رن هاتف منيرة. ظهر اسم لم تره منذ سنوات: خالد الهاجري.
ردت بصوت بارد كجليد الشتاء: “نعم خالد.”
قال بصوت مخنوق: “منيرة.. لازم نتكلم. أنا تحت بيتكم.”
صمتت لحظة، ثم قالت: “اصعد.”
دخل خالد الشقة، وبادرها بلهفة وعيونه تائهة:
— “ما كنت أدري إنهم عيالي! التقرير يقول إنهم انولدوا بعد 7 شهور من طلاقنا.. منيرة، ليش ما قلتي لي؟ ليش خشيتي عني إنچ حامل؟”
ربعت منيرة يديها ونظرت في عينيه مباشرة بكبرياء امرأة خليجية جُرحت:
— “أقولك؟ أقول حق الريال اللي قال لي قبل ما نوقع ورق الطلاق بـ محكمة الرقعي إن الشغل والمستقبل والمليارات أهم من أي شيء، وإن زواجنا كان غلطة عطلته؟ أقول حق الريال اللي لما جيت له بآخر أيامنا تعبانة وأبجي، قال لي: ما عندي وقت، طيارتي حق دبي بعد ساعة؟”
مسحت دمعة هربت من عينها وأكملت بشموخ:
— “عرفت إني حامل بالأسبوع الثاني من طلاقنا. قلت بنفسي: هذا الريال اشترى حريته بفلوسه، وأنا ماراح أكون القيد اللي يرده. العيال عيالي أنا.. أنا اللي عشت معاهم بمستشفى الصباح شهور، وأنا اللي كنت أموت رعب كل ما قال لي الدكتور واحد منهم ما راح يشوف ضوء الصبح.”
سقطت الكلمات كالسياط على ظهر “ملك الخرسانة”. حاول التبرير: “بس المليون ونص.. المختبر.. كنت أبي أساعد.”
اقتربت منه وقالت بصوت حاد كالموس:
— “تظن فلوسك تحل كل شيء؟ تظن لما تقط ملايين على مدرسة ضميرك بيقعد؟ أنت هديت أكبر صفقة بالديرة وجيت ركض لأنك حسيت بالذنب لما شفتني أعد الخردة بالمخبز! أنت ما صلحت شيء يا خالد، أنت بس حاولت تشتري سكوت ضميرك. عيالي ما يعرفون منو خالد الهاجري.. يعرفون أمهم وبس. فلوسك ما راح تمسح الأيام اللي كنت أنام فيها على كرسي خشب بـ العناية المركزة.”
طأطأ خالد رأسه الأرض. لأول مرة، لم يجد “ملك الخرسانة” عقداً يوقعه أو شيكاً يكتبه ليحل الأزمة. قال بنبرة مكسورة: “أبي أصلح اللي فات.. خليني أكون موجود بحياتهم.. وبحياتچ.”
نظرت إلى الباب وقالت بجمود هز كيانه: “اطلع خالد. صَفقتك ضاعت.. وأنا وعيالي منا بحاجة حق صدقة من فضلات ملايينك. خلنا بحالنا.”
الجزء الرابع: الظهر المجهول في العاصفة
غادر خالد الشقة وهو يشعر بأنه أفقر رجل في الكويت. قرر ألا يجبرها على تقبله، لكنه لن يترك عياله يعوزهم شيء.
بعد أسبوع، استدعيت منيرة إلى مكتب ناظر المدرسة الذي قال لها بذهول:
— “أستاذة منيرة، جاچ كتاب من الأمانة العامة للأوقاف ومؤسسة خيرية مجهولة. تم سداد كافة ديونچ الطبية بالكامل، وجات منحة دراسية كاملة حق (راشد وفهد) في مدرسة ‘البيان الثنائية اللغة’ مع شقة تمليك باسمچ في منطقة ‘ضاحية عبد الله السالم’.. والمحسن رفض يذكر اسمه، بس ترك هالرسالة.”
فتحت منيرة الجواب بأصابع ترتجف، وقرأت السطور المكتوبة بخط يد خالد:
“منيرة.. أدري فلوس الدنيا ما تعوض ليلة وحدة نمتي فيها على كرسي خشب بالعناية، وأدري مالي مكان بحياتكم وأنا أحترم هالشيء وماراح أفرض نفسي. هالبيزات مو عشان أشتري ضميري، هذا حق عيالي اللي تأخرت عنهم بسبب غبائي. ما أبي منچ شيء، بس تذكري دايماً.. إذا ضاقت فيچ الدنيا، ترى فيه ‘ظهر بالظلمة’ مستعد يهد الدنيا عشانكم بدون ما تحسين. ربي العيال مثل ما تبين.. هم محظوظين إن أمهم منيرة الراشد.”
بكت منيرة، لكن هذه المرة كانت دموع راحة، كأن جبالاً انزاحت عن كتفيها.
الجزء الخامس: رد الأمانة بعد 14 سنة
مرت السنوات. تحول خالد 180 درجة؛ مابقاش تاجر الخرسانة الجاف، بل وجه أغلب استثماراته لبناء مستشفيات الأطفال بالمجان ومراكز الأبحاث. كان يتابع نمو راشد وفهد من بعيد عبر تقارير شهرية وصور يرسلها له وسيط مجهول. رأى فهد وهو يفوز بجوائز الرسم للفضاء، وراشد وهو يصبح كابتن فريق المدرسة.
حتى جاء اليوم الذي أتم فيه التوأم 18 عاماً.. يوم تخرجهما من الثانوية في قاعة المؤتمرات الكبرى بـ “مقر جامعة الكويت”.
اشترى خالد تذكرة في آخر صف، وارتدى غترته دون عقال ونظارة سوداء ليراقب بصمت.
ندى المذيع: “راشد خالد الهاجري… فهد خالد الهاجري.”
نزلت دموع خالد رغماً عنه وهو يسمع اسمه يتردد ملتصقاً بأسماء رجاله الصغار. نظر للصفوف الأولى وشاف منيرة تقف وتصفق بفخر، وقد عادت إليها هيبتها وجمالها كأقوى امرأة في الديرة.
بعد انتهاء الحفل وخروج الجميع، بقي خالد وحيداً بالقاعة الفاخرة. لملم حاجياته ليرحل، لكنه سمع صوت كعب حذائها يقترب خلفه في الممر الفاضي. الصوت مألوف جداً. وقف مكانه دون أن يلتفت.
— “كنت أدري إنك ببتواجد، يا أبو راشد.” (صوت منيرة.. هادئ وصافٍ).
التفت خالد ونزع نظارته وبأطراف عينيه تجاعيد السنين: “مبروك يا أم راشد. العيال صاروا رجال.. بفضلچ.”
اقتربت منه وقالت: “العيال عرفوا كل شيء يا خالد.. أنا قلت لهم لما صار عمرهم يسمح يفهمون. عرفوا إن الشقة والمدرسة والمستشفى وكل طريج تسهل قدامهم كان بسبتك.”
بلع ريقه بصعوبة: “وكرهوني؟”
هزت رأسها بالنفي وابتسمت: “لأ. لما شافوا رسالتك القديمة، وشافوا إنك قعدت 14 سنة تحمينا من بعيد لبعيد بدون ما تطلب ثمن أو تحاول تاخذهم مني.. احترموا هالشيء. وفهد قال لي: الريال اللي يهد مليارات عشان حس بوجعنا، يستحق نعطيه فرصة.”
أشارت منيرة بوشاحها نحو بوابة الخروج حيث كان الشابان الطويلان يقفان بعباءات التخرج ويبتسمان لوالدهما بفخر:
— “إحنا رايحين نتغدى بالديرة على البحر.. نحتفل بالتخرج. العيال ناطرينك بره إذا تحب تشاركنا.. كأب.”
نظر خالد إلى منيرة، ثم إلى ولديه واقفين في الشمس الخريفية بانتظاره. أدرك في تلك اللحظة أن الصفقة التي تركها قبل 14 سنة لم تكن خسارة أبدًا، بل كانت البوابة لأكبر صفقات عمره رابحة. ابتسم، وعدّل غترته، ومشى بجانب منيرة نحو أولاده، تاركاً خلفه “ملك الخرسانة” القديم، ليولد من جديد كـ “أب” حقيقي تحت سماء الكويت.