استقوت لأنها “خطيبة” المدير التنفيذي وصارت تتنمر على الناس… وما كانت تدري إن الزوجة الحقيقية واقفة قدامها.
«ارجعي ورا يا بنت… خطيبي هو المدير التنفيذي لهالمستشفى. مكالمة وحدة بس، ويخليك تنطردين من هنا فورًا.»
رنّ صوتها المتعالي بقوة في بهو مستشفى دار الشفاء الدولي الخاص، في قلب مدينة الكويت. وفي اللحظة اللي بعدها مباشرة، انسكب كوب القهوة المثلجة من يد المساعدة ريهام على بلوزتي الحريرية بلون الكريمي، ولوّث ملفات مشروع مهمة كانت بيدي، وانفرش على أرضية الرخام اللامعة اللي توها متلمعة.
وفجأة… عمّ الصمت المكان كله.
الأطباء والممرضات وقفوا بنص الممرات، وكل الأنظار اتجهت نحوي كأنهم شهدوا حادثة قدامهم. أما ريهام؟ فكانت واقفة مكتفة يدينها، رافعة ذقنها بثقة زايدة، وتطالعني من فوق لتحت بابتسامة شماتة باردة.
وقالت باستهزاء:
«عشان المرة الجاية تعرفين زين منو اللي تصطدمين فيه.»
وسكوتهي زادها غرور أكثر.
رفعت صوتها بحيث يسمعها كل اللي بالبهو، وأعلنت بكل ثقة إنها خطيبة الدكتور ياسين الفاضلي، الرجل الأقوى في هالمستشفى، وإن زواجهم صار قريب.
لكن بصراحة؟
كانت هذي أغبى كذبة سمعتها بحياتي.
لأن الدكتور ياسين الفاضلي، الرجل اللي كانت تدّعي إنه خطيبها… كان، قانونيًا ورسميًا، زوجي أنا.
ما جادلتها.
ولا رفعت صوتي.
ولا حتى حاولت أصحح لها المعلومة.
بكل هدوء طلعت جوالي واتصلت مباشرة على ياسين.
رد بعد رنتين فقط.
رفعت عيني ونظرت مباشرة داخل عيون ريهام، واللي بدأت ملامح الثقة فيها تهتز لأول مرة، وقلت بنبرة باردة:
«ياسين… انزل اللوبي حالًا. خطيبتك الجديدة توها سكبت عليّ كوب قهوة كامل.»
ما مرت حتى دقيقة.
وفُتحت أبواب المصعد الـVIP.
وخرج المدير التنفيذي، الدكتور ياسين الفاضلي، بخطوات سريعة وملامح جامدة يغلي فيها الغضب.
**الجزء الرابع: نور في آخر الطريق**
بعد ثلاثة أيام، نُقلت ماليكا رسميًا من قسم العناية المركزة إلى الجناح الخاص (VIP). بدأت صحتها تتحسن تدريجيًا بفضل الرعاية الطبية المتقدمة ودفء عائلتها التي لم تفارقها لحظة.
وفي الوقت نفسه، كان مروان واقفًا خلف الزجاج في قسم حاضنات الأطفال الخدّج.
وقف هناك لأكثر من ساعتين كاملتين، واضعًا كفيه على الزجاج، يحدق في الطفلتين الصغيرتين اللتين تتنفسان بمساعدة الأجهزة الطبية. كانت عيناه محمرّتين، ودموع الندم تنساب على وجنتيه. ولأول مرة، رأى انعكاس ملامحه بوضوح في وجهيهما الصغيرين.
اقترب سيف من خلفه وربّت بقوة على كتفه قائلاً:
— الحين شفت الحقيقة بعينك، صح؟ هذولي بناتك… من دمك ومن نسل آل زايد. ماليكا خاطرَت بحياتها داخل غرفة العمليات قبل ثلاثة أيام علشان تحافظ عليهم لك يا مروان. تدري قد شكثر كنت قاسي عليها طول هالسنين؟
لم يستطع مروان الرد.
اختنقت الكلمات في حلقه.
استدار بصمت واتجه مباشرة نحو غرفة ماليكا.
فتح الباب بهدوء.
كانت ماليكا مستندة إلى الوسادة، بينما أشعة شمس العصر الخليجية تتسلل من النافذة الكبيرة وتنعكس على وجهها الشاحب الجميل.
عندما رأته يدخل بلحيته غير المرتبة، وثيابه المبعثرة، وعينيه المتورمتين من البكاء، تفاجأت للحظة… ثم لانت ملامحها بهدوء.
سقط مروان على ركبتيه بجوار السرير.
أمسك يدها النحيلة بكلتا يديه، وضغطها على جبينه، ثم انفجر بالبكاء كطفل صغير.
— ماليكا… سامحيني. بالله سامحيني. كنت أعمى… وغبي… وتركتك تواجهين كل هالألم بروحك. أقسم بالله، من هاليوم وطالع راح أقضي باقي عمري كله وأنا أعوضك عن كل لحظة ظلمتك فيها.
نظرت إليه ماليكا طويلاً.
وفي تلك اللحظة، شعرت وكأن وجع السنوات الخمس الماضية بدأ أخيرًا يذوب.
رفعت يدها الأخرى وربتت برفق على شعره وقالت:
— قم يا مروان… أهم شيء إنك عرفت طريق الرجعة. أنا وبناتك كنا دائمًا ننتظرك.
—
وبعد أسبوعين، خرجت ماليكا من المستشفى برفقة توأمها وعادت إلى قصر آل زايد.
وللاحتفال بهذه المناسبة، أمر الجد سالم بإقامة وليمة كبيرة، دعا إليها الأقارب والجيران والفقراء من مختلف أنحاء المنطقة، شكرًا لله على سلامة الأم والطفلتين.
امتلأ المنزل بالضحكات والأحاديث والتهاني.
وفي خضم الاحتفال، رن هاتف مروان.
كان المتصل الدكتور ياسين الفاضلي، المدير التنفيذي لمستشفى دار الشفاء وأحد أقدم أصدقائه.
رد مروان مبتسمًا:
— هلا ياسين.
جاءه صوت ياسين من الطرف الآخر مرتاحًا على غير عادته:
— عندي خبر زين يا مروان. سالفة زوجتي اللي صارت في لوبي المستشفى قبل فترة انتهت بالكامل. الموظفة ريهام انطردت فورًا، وانحط اسمها بالقائمة السوداء للقطاع الصحي بسبب الكذب والإساءة للناس. والأهم من هذا كله…
سكت لحظة ثم أكمل:
— زوجتي وافقت تسحب طلب الطلاق. قررنا نعطي زواجنا فرصة ثانية.
ابتسم مروان وهو ينظر عبر النافذة إلى ماليكا التي كانت تحمل إحدى الطفلتين في الحديقة.
وقال بهدوء:
— مبروك يا ياسين. شكله إحنا الاثنين كدنا نخسر أغلى شيء بحياتنا بسبب الغرور وسوء الفهم. الحمد لله إن الله عطانا فرصة ثانية نصحح أخطاءنا.
—
في الخارج، كانت شمس الغروب الكويتية تصبغ السماء بلون ذهبي مائل إلى الأحمر.
خرج مروان إلى الحديقة.
فتح ذراعيه واحتضن ماليكا وابنتيه بقوة.
وأخيرًا…
كانت العاصفة قد انتهت.
وفي بيت آل زايد، لم يعد هناك مكان للوحدة أو للأكاذيب أو للجراح القديمة.
لم يبقَ سوى الرحمة…
والمحبة…
وبداية جديدة تليق بعائلة عادت لتجتمع من جديد.