لمدة شهر كامل، نظام الجرد الإلكتروني في بقالتي الصغيرة 24/7 المطلة على بحر السالمية كان يسجل نفس النقص بالضبط كل ليلة: ثلاث علب حليب طازج من أرخص نوع موجود. وكنت أعرف زين منو السارق.
كان فهد… شاب عمره 18 سنة، نحيف بشكل يقطع القلب، كأنه غصن ناشف ضايع بنص الصحراء. أول مرة شفته كانت ليلة عاصفة ترابية قوية ضربت الكويت، يوم دخل من الباب الزجاجي للمحل وهو مغبرّ، عيونه مرهقة، ويطلب أي شغل بالليل بس عشان يعيش.
والمفروض حسب القانون أبلغ الشرطة أو أطرده فورًا… لكني سكت. كل ليلة كنت أطلع بطاقتي البنكية وأغطي قيمة الحليب الناقص من حسابي بدون ما يدري أحد.
مو لأني غني.
أنا عمري 45 سنة، وخسرت كل شيء بعد انهيار شركة استيراد النفط اللي كنت أملكها. الديون خنقتني، وزوجتي طلّقتني وأخذت عيالي وراحت دبي وقاطعتني بالكامل. هالبقالة الصغيرة اللي تنور آخر الليل كانت آخر شيء حافظ لي كرامتي كرجل خسر الدنيا كلها.
كنت أتغاضى عن فهد لأني شفته بعيني يرفض علبة مشروب طاقة مجانية بس لأنه “ما يبي شفقة”. وبعدها بساعات، كنت أشوفه متكور بزواية بعيدة عن الكاميرات الساعة 4 الفجر، ماسك تلفونه المكسور ويشتغل على إدخال أكواد Captcha وتصنيف بيانات للذكاء الاصطناعي عشان يجمع كم فلس يحطهم ببنزين دبابه القديم.
عناده بالحفاظ على كرامته رغم الفقر هزّني من الداخل.
كنت أظن إني أحمي ولد مكافح… لين جاء ذاك الفجر.
اختفى فهد فجأة.
وكل اللي تركه وراه كان قارورة زجاجية صغيرة فوق الكاشير.
داخلها ساعة ميكانيكية قديمة جدًا… ورسالة مكتوبة بخط اليد بالعربي.
ومع أول خيوط شمس طالعة على بحر الخليج، فتحت الرسالة… ولما قريت أول سطر، حسّيت رجولي ما عاد تشيلني.
أنا، الرجل اللي ذاق كل مرارة الحياة، طحت على الأرض أبچي مثل الطفل.
كل ليلة، كان يسرق ثلاث علب حليب رخيصة… لكن عامل الليل الفقير خلّى صاحب البقالة الكويتي ينهار بالبچي يوم فتح القارورة الزجاجية اللي تركها وقت الفجر!
لمدة شهر كامل، نظام الجرد الإلكتروني في بقالتي الصغيرة 24/7 المطلة على بحر السالمية كان يسجل نفس النقص بالضبط كل ليلة: ثلاث علب حليب طازج من أرخص نوع موجود. وكنت أعرف زين منو السارق.
كان فهد… شاب عمره 18 سنة، نحيف بشكل يقطع القلب، كأنه غصن ناشف ضايع بنص الصحراء. أول مرة شفته كانت ليلة عاصفة ترابية قوية ضربت الكويت، يوم دخل من الباب الزجاجي للمحل وهو مغبرّ، عيونه مرهقة، ويطلب أي شغل بالليل بس عشان يعيش.
والمفروض حسب القانون أبلغ الشرطة أو أطرده فورًا… لكني سكت. كل ليلة كنت أطلع بطاقتي البنكية وأغطي قيمة الحليب الناقص من حسابي بدون ما يدري أحد.
مو لأني غني.
أنا عمري 45 سنة، وخسرت كل شيء بعد انهيار شركة استيراد النفط اللي كنت أملكها. الديون خنقتني، وزوجتي طلّقتني وأخذت عيالي وراحت دبي وقاطعتني بالكامل. هالبقالة الصغيرة اللي تنور آخر الليل كانت آخر شيء حافظ لي كرامتي كرجل خسر الدنيا كلها.
كنت أتغاضى عن فهد لأني شفته بعيني يرفض علبة مشروب طاقة مجانية بس لأنه “ما يبي شفقة”. وبعدها بساعات، كنت أشوفه متكور بزواية بعيدة عن الكاميرات الساعة 4 الفجر، ماسك تلفونه المكسور ويشتغل على إدخال أكواد Captcha وتصنيف بيانات للذكاء الاصطناعي عشان يجمع كم فلس يحطهم ببنزين دبابه القديم.
عناده بالحفاظ على كرامته رغم الفقر هزّني من الداخل.
كنت أظن إني أحمي ولد مكافح… لين جاء ذاك الفجر.
اختفى فهد فجأة.
وكل اللي تركه وراه كان قارورة زجاجية صغيرة فوق الكاشير.
داخلها ساعة ميكانيكية قديمة جدًا… ورسالة مكتوبة بخط اليد بالعربي.
ومع أول خيوط شمس طالعة على بحر الخليج، فتحت الرسالة… ولما قريت أول سطر، حسّيت رجولي ما عاد تشيلني.
“عم يوسف… قبل سبع سنين كنت مديون لك بـ93 علبة حليب. واليوم رجعت لك الدين كامل، الأصل مع الفايدة… وما أبي يبقى بينّا ولا فلس.
وإذا تسمح لي… أبي أسترجع ساعة أبوي. هي آخر ذكرى باقية منه عندي.”
أنا، الرجل اللي ذاق كل مرارة الحياة، طحت على الأرض أبچي مثل الطفل.