في ليلةٍ عصفت فيها عاصفة رملية عنيفة، استيقظتُ مذعورًا على صوت احتكاكٍ ثقيل فوق أرضية المنزل، لأجد أمامي مشهدًا جعل الدم يتجمّد في عروقي.
كان ثعبان الأناكوندا الضخم، الذي يزن مئات الكيلوغرامات — ذلك المخلوق الذي ربّته زوجتي كحيوان أليف طوال عشر سنوات — ممددًا بطول جسدها تحت ضوءٍ خافت. كانت عيناه الباردتان مثبتتين على بطنها المنتفخ بحملٍ في شهره الخامس، وكأنه صياد يدرس حجم فريسته قبل الانقضاض عليها.
وعندما اندفعت نحوه محاولًا إبعاده عنها، رفع رأسه فجأة وأطلق فحيحًا حادًا وعنيفًا، وكأنه مستعد للهجوم إذا تجرأتُ على الاقتراب خطوة أخرى.
والأغرب من ذلك أن هذا الثعبان، منذ أن علمنا بحمل زوجتي، توقف فجأة عن تناول الطعام.
رفض كل أنواع الطعام التي كان يعشقها سابقًا، وأصبح يقضي أيامه صامتًا ومنعزلًا، ثم يزحف كل ليلة إلى سريرنا ويلتف حول بطن زوجتي الحامل لساعاتٍ طويلة دون أن يتحرك.
في صباح اليوم التالي، انطلقنا إلى مستشفى الولادة الدولي ونحن في حالةٍ من الذعر الشديد.
لكن ما حدث هناك كان أكثر رعبًا.
فما إن مرّر الطبيب جهاز الفحص فوق بطن زوجتي حتى اختفت الابتسامة من وجهه تمامًا.
شحبت ملامحه فجأة، وبدأت يده ترتجف لدرجة كاد معها أن يسقط الجهاز من بين أصابعه.
ثم أسرع إلى إغلاق باب الغرفة، واستدعى عددًا من الأطباء، وطلب اجتماعًا طبيًا عاجلًا وسط ذهولنا الكامل.
فما السرّ المرعب الذي كان مختبئًا داخل جسد زوجتي الحامل؟ وكيف عرف ذلك المخلوق البارد الدم بما لم يكتشفه البشر بعد؟
من يوم كانت صغيرة، مريم تعوّدت تعيش بين الحيوانات الغريبة، لأن أبوها، بو فهد، كان من أشهر الناس في الكويت وصاحب مزرعة متخصصة بحماية الكائنات النادرة في منطقة الوفرة. عشان جذي، عمرها ما خافت من الزواحف. وبعد وفاة أبوها، ورثت عنه أفعى أناكوندا ضخمة اسمها **ياقوتة**، وكانت عايشة مع العائلة لأكثر من عشر سنين. كل شخص يزور فيلتها الفخمة في منطقة السرة كان ينصدم من حجم ياقوتة ووزنها المهول، لكن مريم كانت تعاملها بكل حنان، وكأنها حيوان أليف عادي من أهل البيت.
لما حملت مريم بأول طفل لها، حاول زوجها عبدالرحمن بكل الطرق يقنعها تنقل الأناكوندا إلى مركز متخصص في محمية كبد، خوفًا على سلامتها وسلامة الجنين. لكن مريم رفضت تمامًا. كانت دائمًا تقول إن ياقوتة ما آذت أحد طول عمرها، وإن طباعها أهدى وأرحم من كثير من البشر. مرت الشهور الأولى من الحمل بهدوء، وكانت مريم كل عصر تلبس دراعة مطرزة بالخيوط الذهبية، وتجلس في الصالة تحتسي شاي التمر الدافئ، بينما تزحف ياقوتة بكسل حولها تحت أضواء البيت الهادئة.
لكن مع دخول الشهر الخامس، بدأ شيء غريب يصير.
كل ليلة، كانت ياقوتة تزحف إلى السرير وتستلقي ملاصقة لبطن مريم الحامل. أحيانًا كانت تلتف حول بطنها لساعات طويلة بدون أي حركة، وكأنها تحرس سرًا ما أحد يقدر يشوفه. بالبداية، اعتبرت مريم الموضوع مجرد تصرف طريف، وصورت له عدة مقاطع قصيرة ونشرتها على إنستغرام. لكن التعليقات انهالت عليها من كل مكان:
— «ابتعدي عنها! الزواحف ما تسوي أي شيء من غير سبب!»
القلق الحقيقي بدأ يوم توقفت ياقوتة فجأة عن الأكل.
اشترى عبدالرحمن أفضل أنواع الطعام الطازج لها، لكنها رفضت كل شيء. كانت فقط ترفع رأسها وتنظر لمريم بتركيز غريب، ثم تزحف بهدوء نحو السرير.
وفي ليلة عصفت فيها عاصفة رملية قوية، استيقظ عبدالرحمن على صوت احتكاك ثقيل فوق الأرضية. فتح عينيه، فتجمد الدم في عروقه.
كانت ياقوتة ممددة بطول جسد مريم بالكامل، وعيناها مثبتتان على بطنها الحامل دون أن ترمش. وحين اندفع محاولًا إبعادها، رفعت الأفعى رأسها فجأة وأطلقت فحيحًا حادًا وعنيفًا لم يسمعه منها طوال عشر سنوات، وكأنها تحذره من الاقتراب.
في صباح اليوم التالي، ذهبت مريم إلى مستشفى رويال حياة لإجراء فحص الحمل الدوري، لكنها كانت تشعر بقلق لا تعرف سببه.
بدأ الطبيب فحص السونار بشكل اعتيادي، لكن فجأة اختفت الابتسامة من وجهه.
شحبت ملامحه، وبدأت يده ترتجف وهو يحرك جهاز التصوير فوق بطنها مرارًا وتكرارًا، وكأنه غير مصدق لما يراه. ثم التفت إليها وبدأ يسألها بسرعة عن أي أعراض شعرت بها مؤخرًا.
ارتعبت مريم وسألته بصوت مرتجف:
— «دكتور… ولدي فيه شيء؟»
ساد صمت ثقيل قبل أن يجيب بهدوء:
— «الجنين بخير… لكن فيه شيء ثاني غير طبيعي تمامًا داخل بطنك.»
وفورًا طلب من الممرضة إغلاق الباب واستدعى فريقًا طبيًا للاجتماع بشكل عاجل.
بعد الفحوصات المتقدمة، اكتشف الأطباء أن مريم تعاني من تمزق خفي في أحد الأوعية الدموية تسبب بنزيف داخلي مستمر منذ أسابيع، وكانت كمية كبيرة من الدم تتجمع داخل تجويف البطن. الأخطر أن الحالة ما كانت تعطي أعراضًا واضحة، ولو تأخر اكتشافها أيامًا قليلة فقط، لكانت حياة مريم وطفلها في خطر حقيقي.
وهي جالسة على سرير المستشفى، شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
فجأة فهمت كل شيء.
فهمت لماذا كانت ياقوتة تلتف حول بطنها كل ليلة.
ولماذا توقفت عن الطعام.
ولماذا ثارت عندما حاول عبدالرحمن إبعادها.
لم تكن تنوي مهاجمتها أبدًا.
بل كانت تشعر بالتغيرات الحرارية، وبرائحة الدم المتجمع، وبالاختلافات الدقيقة داخل جسمها بطريقة لا يستطيع البشر إدراكها.
أُجريت عملية جراحية طارئة في نفس الليلة.
وعندما وصل عبدالرحمن إلى المستشفى، كانت زوجته تُنقل مباشرة إلى غرفة العمليات. وبعد ساعات طويلة من الانتظار المرهق، خرج رئيس القسم مبتسمًا وقال:
— «الحمد لله… زوجتك والطفل بخير. وصلتوا بالوقت المناسب تمامًا.»
تنفس عبدالرحمن الصعداء، ثم سأل الطبيب باستغراب:
— «لكن كيف ما كان فيه أي علامات واضحة؟»
ابتسم الطبيب وقال:
— «أنتم البشر ما لاحظتم شيء… لكن يبدو أن فيه أحد ثاني في البيت كان يعرف من البداية. الزواحف الكبيرة عندها حساسية عالية جدًا للحرارة وتدفق الدم. ويبدو أنها كانت تحاول تنبهكم بطريقتها الخاصة.»
وقف عبدالرحمن صامتًا.
ولأول مرة شعر بالخجل من خوفه وأحكامه المسبقة تجاه ذلك المخلوق.
بعد يومين، استعادت مريم عافيتها بالكامل. وأول سؤال سألته لزوجها كان عن ياقوتة.
ابتسم عبدالرحمن وهو يمسك يدها وقال:
— «لا تشيلين هم… ياقوتة بخير وتنتظرك بالبيت.»
وبعد أسبوع، عادت مريم مع طفلها إلى الفيلا في السرة.
كان عبق البخور يملأ أرجاء المكان.
وما إن دخلت من الباب حتى خرجت ياقوتة ببطء من زاويتها المعتادة.
هذه المرة لم يتراجع عبدالرحمن للخلف، ولم يظهر أي خوف.
اقتربت الأفعى العملاقة من الأريكة، لكنها لم تلتف حول بطن مريم كما كانت تفعل سابقًا.
بل اكتفت بأن تضع رأسها بهدوء فوق قدمها، وكأنها تعرف أن مهمتها انتهت.
انحنت مريم وربتت على حراشفها الباردة وعيناها تدمعان.
وفي تلك اللحظة أدركت حقيقة لن تنساها أبدًا:
أحيانًا، أكثر المخلوقات التي يخاف منها الناس… تكون هي نفسها أكثر من يحاول حمايتهم بكل ما يملك من غريزة ووفاء.