القطة اللي كانت تزورني في عنبر الجهير

كانت لوائح وزارة الداخلية الكويتية صارمة جدًا: السجون الصحراوية تمنع منعًا باتًا أي سجين من الاحتفاظ بالحيوانات أو حتى التعامل معها.

لكن رغم هالقوانين كلها، ولمدة سبع سنوات كاملة، كانت قطة برّية بعين واحدة تتسلل كل يوم بالضبط الساعة السادسة صباحًا عبر السياج الأمني، وتجلس بهدوء خارج نافذة زنزانتي في عنبر الجهير.

أنا طارق المطيري.

في ربيع عام 2014، وافقت أتحمل حكمًا بالسجن لمدة 12 سنة بتهمة سطو مسلح، بعدما أخذت الذنب عن ابن عم لي.

يوم دخلت السجن المركزي وسط صحراء الصليبية، اختارت عائلتي المقتدرة إنها تدير ظهرها لي حفاظًا على سمعتها. أمي كانت متوفية، وأبوي مستقر في لندن، وما كان فيه أحد ينتظرني خارج أسوار السجن.

وسط الوحدة القاتلة بين الجدران الحجرية، كان ظهور هالقطة في سبتمبر 2015 هو النور الوحيد اللي دخل حياتي.

كل يوم بنفس الموعد، كانت تجي.

تلصق وجهها الصغير بشبك النافذة المعدني، وأنا أحط كفي على الزجاج السميك الفاصل بيننا.

كنت أوفّر لها من حصتي اليومية قطع صغيرة من خبز الخبز العربي وبقايا لحم الغنم من صينية السجن، وأمررها لها من فتحة صغيرة.

وفي دفتر ملاحظات صغير، كنت أسجل كل يوم تزورني فيه.

وصل العدد إلى 2556 يومًا.

خلال هالسنين كلها، اختفت فقط 14 يومًا.

وكانت من أسوأ الأيام اللي عشتها.

مو لأن شيء صار لي…

بل لأني كنت خايف إن الكائن الوحيد اللي اختار يبقى معي، مات في الصحراء القاسية.

حتى الحراس كانوا يعرفون قصتنا.

وفي مرة قال الكابتن فهد:

“هالقطة أصلحت طارق أكثر من كل برامج التأهيل اللي عندنا.”

في 11 يوليو 2023، حصلت على إفراج مبكر بموجب عفو أميري.

يوم طلعت من البوابة الحديدية الضخمة للسجن، وقفت مذهولًا.

كانت هناك.

جالسة تنتظرني تحت ظل السياج الشائك.

كبرت في السن، وصار فراؤها خفيفًا ومتعبًا، لكن للمرة الأولى ما كان فيه زجاج ولا أسلاك تفصل بيننا.

اقتربت مني ببطء…

ثم مسحت رأسها بيدي.

وكأنها تقول:

“أخيرًا انتهى الانتظار.”

واليوم، في شقتي الصغيرة المطلة على الخليج العربي في السالمية، تنام القطة بهدوء بجانب النافذة.

وبعد سنوات طويلة من الفراق والحواجز والأسوار…

صرنا أخيرًا على نفس الجانب من الحياة.

**قِطّو الجَهير**

أنظمة السجون في الكويت تمنع منعًا باتًا إطعام الحيوانات الضالة أو التعامل معها داخل محيط السجن.

لكن لمدة سبع سنوات كاملة، كل يوم بالضبط الساعة ست الصبح، كانت قطة بعين وحدة تعبر من عند السياج الأمني وسط حرّ الصحراء، وتجلس بهدوء عند نافذة نفس الزنزانة.

ولما طلع الرجل أخيرًا للحرية وخرج من البوابة الحديدية الضخمة… كانت القطة تنتظره هناك.

وفي ذاك اليوم بالذات… قفزت على المقعد الخلفي لسيارته ورجعت معاه للبيت.

في أحد أيام العواصف الرملية بربيع عام 2014، بدأ شاب كويتي عمره 29 سنة اسمه **طارق المطيري** يقضي حكمًا بالسجن لمدة 12 سنة في سجن **سنترال بريزن** الواقع وسط صحراء الصليبية خارج مدينة الكويت.

التهمة: سطو مسلح.

المبلغ: 25 دينار كويتي فقط.

السلاح: مسدس قديم بدون أي طلقة.

وكانت القضية كلها عبارة عن اعتراف تحمّل فيه طارق الذنب بدل أحد أبناء عائلته، وسكت بدون ما يدافع عن نفسه بكلمة.

ما كان فيه أحد ينتظره برا السجن.

عائلته الثرية اختارت تبتعد عنه حفاظًا على سمعة العائلة.

أمه توفت قبلها بسنة بعد صراع مع المرض.

وأبوه استقر في لندن مع عائلته الجديدة وقطع التواصل.

حتى أخوه الكبير وقف يرسل له الرسائل بعد السنة الأولى.

لا زيارات. لا مكالمات. لا أحد.

وما بقى له إلا الوقت… وقت طويل يمتد بين الجدران الحجرية الصامتة وصباحات الصحراء الباردة والوحدة اللي ما تنتهي.

كانت زنزانة طارق في الدور الأرضي من عنبر **الجَهير**، عند ثالث نافذة من آخر الممر. نافذة زجاجية سميكة محمية بشبك حديدي، تطل على ساحة مليانة حصى أبيض، وخلفها تمتد كثبان الرمال الذهبية إلى ما لا نهاية.

ثم في صباح من شهر سبتمبر 2015…

صار شيء غريب.

ظهرت قطة.

صغيرة جدًا، ضالة، بلون الرمال، وفراؤها مليان غبار الصحراء.

عينها اليسرى مفقودة منذ زمن، وأذنها اليمنى مقصوص منها جزء كبير، كأنها تحمل آثار معارك طويلة مع الحياة.

الساعة ست تمامًا، مع أول نداء من مكبرات السجن، كانت تتسلل من فتحة صغيرة تحت البوابة الجانبية للسياج الأمني، تعبر الساحة، وتقفز فوق حافة نافذة زنزانة طارق.

تبقى حوالي عشرين دقيقة.

ثم تختفي.

اليوم الثاني رجعت.

بنفس الوقت.

ونفس المكان.

وفي اليوم الثالث انتبه لها طارق فعلًا.

رفع رأسه نحو الظل الصغير خلف الشبك…

فوجد عينها الوحيدة تحدق فيه بصمت.

وضع كفه على الزجاج.

فاقتربت هي أيضًا، وألصقت وجهها الصغير بالشبك الحديدي.

ومن ذاك اليوم صار بينهما موعد يومي لا يتخلف.

ولسبع سنوات كاملة…

مرت عليهم صيفيات الخليج اللي تتجاوز فيها الحرارة خمسين درجة.

ومرت شتاءات الصحراء القاسية.

ومرت العواصف الرملية اللي تحجب الشمس.

لكنها كانت تأتي دائمًا.

الساعة ست صباحًا.

وتغادر عند السادسة وخمسٍ وعشرين دقيقة.

كل يوم.

بدون استثناء تقريبًا.

صار طارق يوفر من وجباته القليلة بعض فتات خبز الخبز العربي وقطع صغيرة من لحم المجبوس، ويدخلها من فتحة ضيقة أسفل الشبك.

كانت تأكل تحت نافذته مباشرة، وهو يجلس يراقبها من الداخل.

ليس لأنها قادرة على تغيير حكمه أو إعادة كرامته الضائعة.

بل لأنها كانت الشيء الوحيد الدافئ في عالمه البارد.

طبعًا، الحراس لاحظوا الأمر.

قطة بعين واحدة تزور نفس النافذة يوميًا في نفس الوقت؟

مستحيل ما ينتبهون.

لكن رغم أن التعليمات تمنع ذلك، لم يحاول أحد طردها.

وفي أحد الأيام قال النقيب **فهد** لأحد زملائه:

“هالقطة الصحراوية سوت لطارق أكثر من أي برنامج إصلاحي أو أي درس وعظي مرّ على هالسجن.”

من يوم دخلت القطة حياته، صار طارق هادئًا.

ما دخل في مشاكل.

ما تشاجر مع أحد.

اشتغل في ورشة خياطة الثياب.

وقضى وقته بين القراءة والصلاة والعمل.

والوقت الوحيد اللي كان وجهه يلين فيه ويبتسم… كان عند الساعة ست صباحًا.

احتفظ بدفتر جلدي قديم.

وكان يكتب كل يوم سطرًا واحدًا فقط:

**”غالية جاءت اليوم.”**

وغالية تعني الشيء الثمين الذي لا يُقدّر بثمن.

كتب هذه الجملة 2556 مرة.

إلا في أربعة عشر يومًا فقط.

في تلك الأيام كتب:

**”غالية لم تأتِ.”**

واعترف لاحقًا أن تلك الأيام الأربعة عشر كانت أصعب أيام سجنه كلها.

أصعب من يوم اعتقاله.

وأصعب من جلسة المحكمة.

وأصعب من أول ليلة قضاها خلف القضبان.

لأنه كان يخشى أن الكائن الوحيد الذي اختار البقاء معه بإرادته… قد مات وحيدًا في الصحراء.

لكنها كانت تعود دائمًا.

وفي 11 يوليو 2023، وبعد تسع سنوات من السجن، حصل طارق على إفراج مبكر بسبب حسن السيرة والعفو الأميري.

عند السابعة والنصف صباحًا، خرج من بوابة السجن الحديدية الكبيرة، حاملًا أغراضه القليلة داخل كيس بلاستيكي.

وهناك…

تحت ظل السياج الخارجي مباشرة…

كانت تجلس هي.

غالية.

كبر عمرها.

صار مشيها أبطأ.

وفراؤها أخف.

وعينها الوحيدة غطتها غشاوة الزمن.

لكنها كانت هي نفسها.

ركع طارق على الرمل الحار.

فتقدمت نحوه بهدوء…

وفركت رأسها الصغير بكفه.

نفس الكف الذي ظل يلامس الزجاج آلاف المرات خلال السنوات الماضية.

لكن هذه المرة…

لم يكن هناك زجاج.

ولا شبك حديدي.

ولا جدار يفصل بينهما.

وصل صديق قديم بسيارة **نيسان باترول** ليأخذه.

حمل طارق القطة بين ذراعيه.

كانت خفيفة كأنها ريشة.

وصعد بها إلى المقعد الخلفي.

وفي ذلك المساء انتقل إلى شقة صغيرة مطلة على الخليج العربي في منطقة السالمية.

مكان يسمح بتربية الحيوانات الأليفة.

وكان في الشقة نافذة واسعة تطل على البحر.

ومنذ ذلك اليوم…

صارت غالية تنام عند تلك النافذة.

تستيقظ مع أذان الفجر القادم من المسجد القريب.

لكنها لم تعد بحاجة للقفز عبر الأسوار أو الهروب إلى الصحراء.

لقد وصلت أخيرًا إلى المكان الذي كانت تبحث عنه.

أما طارق، فبدأ يعمل في ورشة لترميم السيارات الكلاسيكية في الشويخ، ويعيد بناء حياته من الصفر.

بحقيبة ملابس قديمة.

ودفتر جلدي مهترئ.

وقطة ضالة ظهرت ذات صباح…

ثم لم تختفِ أبدًا.

وفي النهاية غيّر اسمها إلى **”خلاص”**.

لأنهما لسنوات طويلة عاشا على طرفين مختلفين من الزجاج.

أما الآن…

**خلاص.**

صارا أخيرًا على نفس الجانب من الحياة.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top