الحارس ذو العينين الزرقاوين

— لو ما إن ذاك الـ«هسكي» خرّب صباحي بالكامل في ذاك اليوم، كان الحين جسمي البارد مدفون تحت تراب مقبرة الصليبيخات.
الساعة كانت 5:45 فجر يوم الثلاثاء المشؤوم. لتوّه أذان الفجر خلص صداه بين أبراج الزجاج في مدينة الكويت، وفجأة ماكس — كلب الهسكي صاحب العينين الزرقاوين اللي ربيته خمس سنوات كاملة — تحوّل إلى مخلوق ما عرفته أبدًا.
وقف قدّام باب شقتي في الطابق الخامس والعشرين بمنطقة السالمية الراقية ومنعني من الخروج.
أنزاله بارزة، وأذونه ملتصقة براسه، ويزمجر بعنف باتجاهي أنا شخصيًا.
شيء مستحيل كنت أتخيله منه بعد خمس سنين من الوفاء.
كنت لابس كندورتي البيضاء ومستعد لأهم عرض تقديمي في حياتي المهنية مع شركة PetroKuwait داخل برج الحمراء.
مديري كان محذرني قبلها بيوم:
“هالعرض بيحدد مستقبلك يا ناصر. يا تصير مدير الاستراتيجية… يا تكمل طول عمرك تشتغل بظل غيرك.”
لكن ماكس قلب كل شيء رأسًا على عقب.
هجم على حقيبتي الجلدية الفاخرة ومزقها.
ثم قفز فوق اللابتوب وكسره بالكامل، وهو الجهاز اللي فيه كل بيانات المشروع والعرض.
وكأن هذا مو كافي، مضغ بطاقة الدخول الأمنية الخاصة فيني — البطاقة اللي بدونها ما أقدر حتى أعبر نقاط التفتيش داخل البرج المالي.
وقفت مذهولًا وعاجزًا.
صرخت فيه من القهر.
وشتمته وقلت له إنه خانني ودفن مستقبلي بيديه.
وفي النهاية اضطريت أتصل بمديري وأكذب عليه، وأقول إني مصاب بتسمم غذائي وما أقدر أحضر.
بعدها بساعتين بالضبط…
الساعة 8:15 صباحًا.
رن هاتفي.
كان المتصل مديري طارق.
لكن صوته ما كان طبيعي.
كان مكسورًا ومختنقًا وسط أصوات صفارات سيارات الإطفاء الكويتية.
قال بصعوبة:
“ناصر… لا تجي البرج.”
وسكت لحظة قبل ما يكمل:
“كل اللي دخلوا قاعة الاجتماعات بالدور الخامس والخمسين الصبح… ماتوا.”
تجمد الدم بعروقي.
تابع بصوت مرتجف:
“حتى زايد… رفيجك الأقرب… توفى معهم.”
اتضح لاحقًا أن تسربًا قاتلًا لغاز أول أكسيد الكربون (CO) حوّل قاعة الاجتماعات إلى مصيدة مغلقة للموت.
كل من كان داخلها استنشق الغاز قبل ما يحس بالخطر.
وفي تلك اللحظة فقط…
استوعبت الحقيقة.
ذلك الزمجار المرعب.
وذلك الجنون المفاجئ.
وذلك الدمار الذي سببه ماكس في شقتي.
لم يكن خيانة.
ولم يكن تمردًا.
كان محاولة يائسة لإنقاذ حياتي.
وكأن القدر اختار أن يتكلم في ذلك الصباح… بصوت كلبٍ أزرق العينين.
**الحارس ذو العينين الزرقاوين**

— لو ما كان ذاك الـHusky خرّب صباحي ذاك اليوم، كان الحين جسمي البارد مدفون تحت تراب الجهرا.

الساعة كانت 5:45 الفجر يوم ثلاثاء، بعد ما خلص أذان الفجر مباشرة وبدأت خيوط الشروق البرتقالية تتسلل بين أبراج مدينة الكويت الزجاجية. فجأة، تحوّل “ماكس” — كلبي الـHusky صاحب العيون الزرق — إلى مخلوق مختلف تمامًا.

وقف قدام باب شقتي في الدور الخامس والعشرين بمنطقة السالمية، وسدّ الطريق بالكامل. كشف أنيابه، ولصق أذنيه برأسه، وصار يزمجر بعدائية وكأني حرامي داخل بيته، مو صاحبه اللي ربّاه خمس سنين.

— ماكس، ابعد! خلاص!

لكنه ما تحرك ولا خطوة.

كنت لابس كندورتي البيضاء المفصلة خصيصًا من أحد أشهر محلات سوق المباركية، ومستعد لأهم عرض تقديمي في حياتي المهنية الساعة 8:30 الصبح.

ستة شهور كاملة من السهر والتعب على حملة إعلامية ضخمة لصالح شركة **PetroKuwait**، أكبر وأقوى عميل عند وكالة الإعلانات اللي أشتغل فيها داخل برج الحمراء المطل على الخليج العربي.

وقبلها بيوم، كان مديري طارق السعيد يحذرني وهو يشرب الشاي بمكتبه:

— يا ناصر، هالعرض يحدد إذا بتصير مدير استراتيجي أول، أو بتبقى طول عمرك تشتغل بظل نجاح غيرك. لا تخيب أملي قدام مجلس الإدارة.

وأكيد ما كنت أبي أخيّب أمله.

انحنيت عشان أشيل حقيبتي الجلدية المصنوعة من جلد التمساح، وفجأة انقضّ ماكس عليها.

عضّ المقبض بقوة وسحبها بعنف.

صوت الجلد وهو يتمزق كان يشبه صوت عظم ينكسر.

— إنت جنّيت؟! هذي تسوى آلاف الدنانير!

حاولت أسحبها منه، لكنه صار يزمجر أكثر.

ما عضّني، لكن نظراته كانت تقول بوضوح إنه مستعد يهاجمني لو حاولت أطلع.

لما فقدت الأمل بالحقيبة، التفت آخذ حقيبة الظهر اللي فيها اللابتوب والـiPad Pro.

لكن ماكس قفز مرة ثانية، خطف الحقيبة من يدي وهزّها بعنف.

طار اللابتوب وسقط بقوة على أرضية الرخام.

وانكسرت الشاشة بالكامل.

— إنت فعلاً فقدت عقلك! كل ملفات العرض داخل هالجهاز!

في هاللحظة رنّ هاتفي.

كان زايد، أعز أصدقائي وشريكي بالشغل من أيام الجامعة.

— ناصر، وينك؟ طارق قاعد يراجع شاشات العرض في قاعة الاجتماعات بالدور 55. وفد PetroKuwait بالطريق، وبعد أقل من نص ساعة بيوصلون.

تنهدت وقلت:

— يا زايد… لو أقول لك ما راح تصدق.

ضحك وقال:

— لا تقول لي إن كلبك أكل العرض التقديمي!

— أقسم بالله مو قاعد أمزح. مزّق الحقيبة، كسر اللابتوب، والحين واقف عند الباب ما يخليني أطلع.

انفجر ضاحكًا:

— أعطه قطعة لحم، حبسه بالحمام واطلب أوبر! طارق على وشك ينفجر غضب.

أقفلت المكالمة واتجهت للمطبخ آخذ بطاقة الدخول الأمنية الخاصة ببرج الحمراء.

بدونها مستحيل أعبر نقاط التفتيش الإلكترونية.

لكن ماكس كان أسرع مني.

خطف البطاقة من الطاولة وركض للحمام.

بعد ثوانٍ سمعت صوت البلاستيك يتكسر بين أسنانه.

وقفت مصدومًا وسط برودة المكيف المركزي.

حقيبتي راحت.

اللابتوب تحطم.

وبطاقتي الأمنية انتهت.

وكل أحلام ترقيتي كانت تنهار بسبب الكلب اللي كنت أعتبره ألطف مخلوق بالحياة.

لأن ماكس ما كان شرس أبدًا.

كان الكلب اللي يخلي أطفال حديقة الشهيد يلعبون معه.

واللي يقلب على ظهره إذا سمع أحد يكلمه بلطف.

واللي يختبئ إذا رفعت صوتي خلال اجتماع أونلاين.

تبنيته من مركز إنقاذ للحيوانات بعد طلاق مرهق خلّى شقتي فارغة وباردة.

وكان رفيقي في كل شيء:

في ليالي القهوة العربية الثقيلة بالهيل.

وفي أزمات العمل.

وفي عطلات الصيف الخليجية الحارقة.

لكن ذاك الصباح، كان واقف قدامي كأنه عدو.

نظرت للساعة.

7:15 صباحًا.

لو خرجت فورًا، ما زال عندي أمل أوصل وأرتجل أي حل.

لكن ماكس كان جالس أمام باب الحمام يحرس بقايا البطاقة الممزقة وكأنها كنز وطني.

ما كان عندي خيار.

اتصلت بطارق.

— أستاذ طارق، أعتذر… تسممت من الأكل البارحة وما أقدر أطلع من السرير.

ساد صمت طويل وبارد.

ذاك النوع من الصمت اللي يخوف أكثر من الصراخ.

ثم قال:

— ناصر… أنت تمزح؟

— والله لا.

— راح تدفع ثمن هالشي.

وأغلق الخط.

نزعت البشت وأنا أرتجف من الغضب والعجز.

أما ماكس، فخرج بهدوء من الحمام.

ووضع بقايا البطاقة عند قدمي.

ثم جلس ينظر إليّ بعينيه الزرقاوين بثبات غريب…

كأنه جندي أنهى مهمة مصيرية.

وفي تمام الساعة 8:15 صباحًا…

رن هاتفي مرة أخرى.

كان طارق.

ظننت أنه سيتصل ليطردني من العمل.

لكن صوته كان مختلفًا.

كان مرتجفًا… مكسورًا.

— ناصر… لا تجي.

انتفضت من مكاني.

— شفيه صار؟

سمعت صفارات سيارات الإطفاء والإسعاف تعوي بالخلفية.

ثم قال بصوت مختنق:

— لا تقرب برج الحمراء… خلك في شقتك.

— طارق، خوفتني. شصار؟

وسمعت شهقة مكتومة قبل أن يقول:

— كل اللي دخلوا قاعة الاجتماعات بالدور 55… ماتوا.

في تلك اللحظة…

شعرت وكأن الكويت كلها انهارت تحت قدمي.

**الجزء الثاني: إنذار من نظام التهوية**

— شلون ماتوا؟!

سألت وأنا بالكاد أستوعب الكلام.

ردّ طارق بعد لحظات وسط ضجيج أجهزة الطوارئ:

— تسرب واسع لغاز أول أكسيد الكربون. البارحة فريق الصيانة كان يشتغل على نظام التهوية والتكييف بالدور 54. صار خطأ في التوصيلات وانسد مسار التصريف. الغاز السام تجمع طول الليل داخل قاعة الاجتماعات المغلقة.

تجمد الدم في عروقي.

— ومن كان هناك؟

جاءني صوته متقطعًا:

— زايد… فاطمة… خديجة… عبدالله… ومدراء PetroKuwait.

سكت لحظة ثم أكمل:

— سبعة عشر شخصًا يا ناصر.

ساد صمت ثقيل داخل الشقة.

ثم قال:

— رجال الإنقاذ يقولون إنهم كانوا جالسين حول الطاولة وكأنهم نائمين فقط. ما أحد حس بشيء. الغاز ما له لون ولا ريحة… وقتلهم قبل ما يدركون اللي صار.

سقط الهاتف من يدي.

والتفت نحو ماكس.

كان لا يزال جالسًا قرب الباب.

هادئًا.

يراقبني بعينيه الزرقاوين.

ولأول مرة…

لم أرَ أمامي كلبًا عنيدًا.

بل حارسًا أرسله الله لينقذ حياتي.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top