“يبه! شقّ بطني! شقّها يا يبه!”
دوّى صراخ ولدي الصغير، البالغ من العمر سبع سنوات، في أرجاء المطبخ ذي الأرضية الرخامية، وكأنّه يمزّق قلبي إربًا. كان يتلوّى ويتقلب على الأرض بعذابٍ لا يُحتمل، وكأن مخلوقًا خفيًا ينهش أحشاءه من الداخل بلا رحمة.
وبجانبه كانت أمل، زوجتي الجديدة، تغطي فمها بيدها وتُطلق شهقاتٍ متقطعة توحي بالحزن والهلع. كان أداؤها متقنًا إلى درجة تجعل أي شخص يصدّقها ويشفق عليها… إلا أنا.
لأنني رأيت شيئًا لم يره أحد.
كانت عيناها جافتين تمامًا.
لم تكن هناك دمعة واحدة.
في المستشفى، وبعد سلسلة طويلة من الفحوصات والتحاليل، هزّ ثلاثة أطباء مختصين رؤوسهم بحيرة بعدما جاءت جميع النتائج طبيعية تمامًا. بل إن طبيبًا نفسيًا استُدعي للحالة، وسارعت زوجتي إلى الهمس في أذنه بأن ابني يعاني من “أوهام نفسية” بسبب الضغوط العائلية.
بدأ الجميع ينظر إليّ وكأنني أصل المشكلة، بينما ظهرت هي في صورة زوجة الأب المسكينة الصابرة التي تحاول مساعدة طفل مضطرب.
ظنّوا أنني رجل ضعيف.
ظنّوا أنني ذلك الزوج الذي لا يفعل شيئًا سوى الانشغال بالعمل وتسديد الفواتير.
لكنهم نسوا حقيقة مهمة:
الناس الصامتون يسمعون كل شيء.
وفي وقت متأخر من تلك الليلة، عدت إلى المنزل لأحضر بعض الملابس الإضافية لابني. هناك، عند البهو الرئيسي للقصر، استوقفتني المربية الجديدة سرًا.
كان وجهها شاحبًا كأن الدم قد فارقه بالكامل.
ارتجفت وهي تمدّ إليّ كيسًا بلاستيكيًا صغيرًا تخفي بداخله شيئًا غامضًا، ثم همست بصوت مرتعش:
“سيدي… يوجد شيء مقزز جدًا هنا.”
وفي اللحظة التي وقعت عيناي فيها على ما بداخل الكيس، انقطع نفسي في صدري.
وفي الوقت نفسه، وصلني صوت زوجتي العذب من الطابق العلوي وهي تناديني باسمي…
لكن ذلك الصوت لم يعد يبدو لطيفًا كما كان.
بل أصبح مرعبًا إلى حدٍّ يُقشعر له البدن.
فما الخطة الشيطانية التي كانت تُخفيها خلف ذلك الوجه البريء؟
“يبه! شقّ بطني! شقّها يا يبه!”
دوّى صراخ ابني فهد، البالغ من العمر سبع سنوات، في أرجاء مطبخ الفيلا الرخامية في منطقة السلوى، حتى شعرت وكأن قلبي يتمزق بين ضلوعي. كان الولد يتلوّى ويتقلب على الأرض بعذابٍ لا يوصف، وكأن مخلوقًا خفيًا ينهش أحشاءه من الداخل.
أما أمل، زوجتي الجديدة، فكانت واقفة تستند إلى طاولة المطبخ الفاخرة، تغطي فمها بيدها وتطلق شهقاتٍ متقطعة وكأنها غارقة في الحزن. كان تمثيلها متقنًا إلى درجة يصعب معها الشك بها.
إلا أنني لاحظت شيئًا واحدًا.
عيناها كانتا جافتين تمامًا.
لم تنزل منهما دمعة واحدة.
همست أمل:
— “يا الله… يوسف، سوِّ أي شيء!”
ارتميت بجانب فهد على الأرض. كان العرق يغطي وجهه الصغير، وشفتاه شاحبتين، وأصابعه ترتجف وهي تمزق ثوب نومه بعنف.
— “وين يعورك يا بوي؟ قُل لي!”
قلت ذلك بصوتٍ مخنوق.
التقط أنفاسه بصعوبة وهمس:
— “داخل بطني… فيه شي قاعد يعضّني من داخل…”
وخلفي ارتفع صوت بكاء أمل أكثر فأكثر، لكن الدموع ما زالت غائبة.
وصلت سيارة الإسعاف بعد ثماني دقائق فقط.
وفي مستشفى الأميري، أجرى ثلاثة أطباء مختصين تصويرًا مقطعيًا وتحاليل شاملة لفهد، لكنهم لم يجدوا أي شيء غير طبيعي. لا انسداد معوي، ولا نزيف داخلي، وحتى فحوص السموم الأولية جاءت سليمة.
وفجأة استيقظ فهد من جديد وبدأ يصرخ:
— “شقّوا بطني! تكفّون! أنا متألم!”
فاستدعوا طبيبًا نفسيًا على الفور.
وهنا سارعت أمل إلى الإمساك بطرف معطف الطبيب الأبيض وقالت بصوتٍ خافت حزين:
— “من يوم بدأنا نتكلم عن الطلاق، وهو مو مستقر نفسيًا.”
ثم أضافت:
— “يوسف رافض يتقبل الواقع. وفهد سمع خلافاتنا. يمكن الولد يحاول يلفت الانتباه بس.”
حدقت فيها مذهولًا.
الطلاق؟
هذه أول مرة أسمع بهذا الكلام.
التفت الطبيب النفسي نحوي بنظرة شك، وكأنني أنا سبب كل ما يحدث.
واستمرت أمل في دور الضحية:
— “يوسف يمر بضغوط كبيرة في شغله هالفترة. وصار يتخيل إن فيه ناس يحاولون يؤذونه.”
كدت أضحك.
طوال سنتين من زواجنا، تركت أمل وعائلتها يعتقدون أنني رجل ممل، ضعيف الشخصية، لا يفعل شيئًا سوى العمل في شركاته بمنطقة شرق وتسديد الفواتير.
أخوها خالد كان يسخر مني دائمًا ويقول:
— “يوسف مجرد محفظة تمشي على رجلين.”
أما أمها فقالت يومًا لفهد:
— “أبوك يعرف يدفع الفواتير بس، لكنه ما يعرف يحمي أحد.”
وتركتهم يصدقون ذلك.
لأن الناس يتجاهلون الرجل الهادئ.
وحين يتجاهلونك…
تسمع كل الأسرار.
في وقت متأخر من تلك الليلة، قرر الأطباء إخراج فهد من المستشفى بعد إعطائه مهدئات، مع توصيات بتجنب أي ضغوط نفسية عليه.
لكنني رفضت إعادته إلى المنزل.
وأصريت أن يبقى في الجناح الخاص بالمستشفى تحت حراسة أحد رجالي الموثوقين.
في تلك اللحظة فقط، رأيت عيني أمل تضيقان للحظة قصيرة.
ثم عاد وجهها الهادئ الملاكِيّ من جديد.
وقالت بابتسامة ناعمة:
— “مثل ما تحب.”
ثم أضافت بنبرة حلوة:
— “أي شيء يخليك تحس إنك مسيطر على الوضع.”
قدت سيارتي عائدًا إلى الفيلا لأحضر بعض الملابس لفهد.
وعند البهو الرئيسي، كانت المربية الفلبينية الجديدة، مارا، تنتظرني.
كانت فتاة خجولة في التاسعة عشرة من عمرها، لكنها أكثر ملاحظة من أي شخص في المنزل.
وما إن تأكدت أن أمل صعدت إلى الطابق العلوي، حتى اقتربت مني وهمست:
— “سيدي يوسف… كنت أنظف غرفة فهد قبل قليل.”
سألتها:
— “خير؟”
ارتجفت وهي تخرج كيسًا بلاستيكيًا مغلقًا بإحكام.
وفي داخله كان الكوب الأزرق الذي اعتاد فهد أن يشرب فيه حليب التمر الدافئ قبل النوم.
وفي قاع الكوب، وسط بقايا الحليب اليابسة، كانت هناك شظايا سوداء صغيرة غريبة الشكل.
همست مارا ووجهها شاحب:
— “شكلها مثل بقايا حشرات…”
ثم ابتلعت ريقها وأضافت:
— “بس مو حشرات عادية.”
تجمدت أنفاسي.
وفي تلك اللحظة، وصلني صوت أمل العذب من الطابق الثاني:
— “يوسف؟ حبيبي… بتطلع فوق؟”
أطبقت يدي بقوة على الكيس البلاستيكي.
وأصبحت عيناي باردتين كليالي الصحراء.
فأجبتها:
— “إي… جاي.”
لكن من تلك اللحظة، لم أعد أصعد إليها بصفتي الزوج الهادئ الذي اعتادت عليه.
بل بصفتي المفترس الذي ارتكبت خطأً فادحًا عندما ظنت أنه فريستها.