محاصرين وسط عاصفة رملية مرعبة من قطيع ذئاب عملاقة، والركاب تجمّد الدم بعروقهم بعد التصرف الغريب والمخيف لقائد القطيع!

“افتحوا الباب… إحنا جوعانين لدفاكم أكثر مما تتخيلون…”
همسة أجشّة ومخيفة اخترقت الزجاج الأمامي السميك، ووصلت مباشرة إلى عقول جميع الركاب اللي كانوا على متن الحافلة في تلك الليلة العاصفة.
قدّامنا مباشرة، كان فيه رأس متدلّي بالمقلوب من فوق سقف الحافلة.
كان هذا الشخص قبل ساعات مجرد رجل مرمي على الرمال بلا حراك، لكن الحين صار شكله شيء ثاني تمامًا. اختفت جفونه بالكامل، وبرزت أسنان حادة بشكل مرعب من بين شفاه ممزقة، بينما كانت عيناه تشعّان بضوء أصفر باهت يشبه نظرات الشياطين.
كل شيء بدأ لما اجتاحت أسوأ عاصفة رملية شهدتها شبه الجزيرة العربية خلال أكثر من خمسين سنة المنطقة كلها، وحاصرت حافلتنا بين المدن على طريق صحراوي منعزل.
وسط الظلام الكثيف والغبار الأصفر اللي غطّى الأفق، ظهرت فجأة عشرات العيون الحمراء المتوهجة مثل جمر مشتعل وسط العاصفة.
ومن بين الرمال خرج قطيع ضخم من ذئاب الصحراء العملاقة، وأغلق علينا كل منافذ الهروب بدائرة محكمة وكأنهم مخططين للموضوع من البداية.
لكن الغريب إنهم ما كانوا يتصرفون مثل حيوانات جائعة.
ما كان فيه عواء.
ولا إظهار للأنياب.
ولا أي محاولة للهجوم.
وقفوا بمكانهم فقط، ساكنين بشكل مرعب، يراقبون الحافلة بصمت يخوّف أكثر من أي هجوم مباشر.
وفجأة انطفأ نظام الكهرباء بالكامل.
غرقت الحافلة في ظلام غريب ومخيف.
وفي نفس اللحظة، انفجر الزجاج الخلفي وتحطم إلى آلاف القطع.
وبدأت تلك المخلوقات المشوهة، ومعها الذئاب، تزحف إلى داخل الحافلة واحدًا تلو الآخر.
لكن بدل ما يهجمون على الركاب ويمزقونهم، بدأوا يتحركون ببطء شديد بين المقاعد.
كانوا يمرّون على كل شخص، ويرفعون أنوفهم نحوه ويشمّونه بدقة، وكأنهم يدوّرون على شيء محدد ومعروف لهم مسبقًا.
الرعب سيطر على المكان بالكامل.
وكل راكب كان ينتظر دوره وهو يحاول يمنع نفسه حتى من التنفس.
ثم توقفت جميع الكائنات فجأة.
عند آخر صف في الحافلة.
أمام راكب غامض كان جالسًا وحده في الظلام…
وفي تلك اللحظة، أدرك الجميع الحقيقة المرعبة:
الذئاب ما كانت تحاصر الحافلة بحثًا عن فريسة…
كانت تبحث عن شخص معيّن بالذات.

في تلك الليلة، كان عبور الصحراء وسط الضباب والرؤية المعدومة مجرد رحلة عادية لحافلةٍ بين المدن… لولا أن أسوأ عاصفة رملية شهدتها شبه الجزيرة العربية منذ نصف قرن هبّت فجأة واجتاحت كل شيء في طريقها.

كانت الحافلة المهترئة تزأر بصعوبة وهي تشق الطريق الوحيد المؤدي إلى مدينة الجهراء في الكويت. عجلاتها الضخمة تنزلق باستمرار فوق الرمال المتحركة، وكلما مالت الحافلة نحو حافة خطرة كان السائق يشد المقود بأسنانه المطبقة لينقذ أرواح العشرات خلفه. أما خارج النوافذ، فكانت العاصفة تعوي كوحشٍ هائج، والرياح تقذف حبات الرمل الحادة على الهيكل المعدني بقوةٍ توحي وكأنها قادرة على تمزيقه في أي لحظة.

داخل الحافلة، بدأ الخوف ينتشر كأنه عدوى. امرأة عربية ضمّت طفلها إلى صدرها محاولة إخفاء دموعها المرتجفة خلف عباءتها. رجل مسنّ حدّق عبر النافذة كأنه ينتظر ظهور شيء مرعب من قلب العاصفة. وفي المقاعد الخلفية، كان شاب يردد الأدعية بصوت متقطع بعدما بدأت أضواء السقف تومض بشكل غريب ومقلق.

أبو فهد، السائق الخمسيني الذي أمضى نصف عمره بين طرق الصحراء القاسية، كان يعرف جيداً أن طبيعة الخليج إذا غضبت لا ترحم أحداً. لكن هذه المرة شعر بثقلٍ غريب يطبق على صدره، وكأن الصحراء نفسها تحاول أن توجه له تحذيراً من كارثة وشيكة.

فجأة، انقبضت ملامحه.

كان هناك شيء يتحرك في الأمام.

ضيّق عينيه محاولاً اختراق جدار الرمال الكثيف. في البداية ظنها أوهاماً صنعتها العاصفة، ثم خُيّل له أنها قافلة جمالٍ هائمة تبحث عن ملجأ. لكن بعد ثوانٍ قليلة، تجمّد الدم في عروقه.

لم تكن جمالاً.

بدأت ظلال رمادية طويلة تتضح شيئاً فشيئاً. واحدة… ثم اثنتان… ثم عشرات العيون الحمراء المتوهجة ظهرت وسط الرمال كجمراتٍ شيطانية، تتحرك بصمتٍ مرعب.

خرج قطيع هائل من ذئاب الصحراء من قلب العاصفة واتجه مباشرة نحو الحافلة.

ضغط أبو فهد على المكابح بكل قوته، فانزلقت الحافلة بعنف فوق الرمال قبل أن تتوقف على بعد أمتار قليلة فقط من القطيع ومن حافة خطرة في الطريق.

ساد صمتٌ قاتل.

حتى أن الركاب كانوا يسمعون أنفاس بعضهم المرتجفة.

مسح الجميع الغبار عن النوافذ ونظروا إلى الخارج، وما رأوه كاد ينتزع أرواحهم من أماكنها.

لم تكن الذئاب أمام الحافلة فقط.

كانت تحيط بها من الجانبين، وأغلقت طريق الهروب من الخلف أيضاً.

طوقٌ كامل.

كانت تتحرك فوق الرمال بخفةٍ مريبة، كالأشباح، بينما عيونها المتقدة لا تفارق الحافلة لحظة واحدة.

لكن الأمر الأكثر رعباً أنها لم تتصرف كذئاب جائعة.

لم يكن هناك عواء.

ولا زمجرة.

ولا أنياب مكشوفة.

كانت فقط تقف هناك… ساكنة تماماً… تراقب بصمتٍ خانق حوّل الخوف إلى عذاب نفسي لا يُحتمل.

— «راح يهجمون علينا!» صرخ أحد الرجال.

— «سكروا كل الأبواب بإحكام!» صاحت امرأة وهي تحتضن طفلها باكية.

لكن أبو فهد لم يتحرك.

ظل يحدق في الذئب القائد، وأدرك حقيقة مرعبة:

هذا القطيع لا يريد افتراسهم…

بل كان يحاول أن يمنع الحافلة من مواصلة الطريق.

وفجأة، تقدّم الذئب القائد — مخلوق ضخم بفراء أسود حالك كسواد ليل الصحراء — نحو مقدمة الحافلة، يتبعه ذئبان آخران، بينما استدار بقية القطيع دفعة واحدة نحو طرف الطريق.

ألصق أبو فهد وجهه بالزجاج الأمامي.

وفي لحظة هدأت فيها العاصفة لثوانٍ معدودة، لمح جسماً أسود ممدداً بلا حراك فوق الرمال.

كان جسد رجل ممزق الثياب، مغطى بطبقة كثيفة من الغبار، وعيناه مفتوحتان تحدقان في الفراغ بلا حياة.

لكن الرعب الحقيقي لم يكن في الجثة…

بل فيما حدث بعدها.

اقترب الذئب الأسود العملاق من الجسد، وبدلاً من تمزيقه، أخذ يلعق وجه الرجل بلسانه الرمادي الطويل.

في اللحظة نفسها، ارتجفت الجثة بعنف.

وتعالت أصوات تكسّر العظام والتوائها كأغصانٍ يابسة تُسحق تحت الأقدام.

بدأ جسد الرجل يتشنج، وأطرافه تتمدد بطريقة مشوهة ومستحيلة.

— «اربطوا الأحزمة! لازم أرجّع الحافلة فوراً!» صرخ أبو فهد.

لكنه ما إن أدار المفتاح حتى أصدر المحرك صوتاً مكتوماً ثم انطفأ تماماً.

غرقت الحافلة في الظلام.

ولم يبقَ سوى الأضواء الحمراء للطوارئ تومض بشكلٍ شيطاني.

في الخلف، شهق أحد الركاب رعباً بعدما رأى ذئباً يقف على رجليه الخلفيتين كالبشر، بينما تحولت قوائمه الأمامية إلى أصابع طويلة ذات مخالب حادة. كان يمررها ببطء على الزجاج المغطى بالغبار وكأنه يحاول التطلع إلى الداخل.

همس رجل في منتصف العمر بصوت مرتجف:

— «هم قاعدين يختارون…»

ثم انهار باكياً.

طَب… طَب… طَب…

دوت خطوات ثقيلة فوق سقف الحافلة.

ثم، من حافة السقف فوق الزجاج الأمامي مباشرة، تدلى رأس مقلوب.

كان نفس الرجل الذي كان ملقى على الرمال.

لكن وجهه لم يعد بشرياً.

اختفت جفونه بالكامل.

وبرزت أسنان حادة من بين شفتيه الممزقتين.

أما عيناه فكانتا تتوهجان بضوءٍ أصفر مريض يشبه عيون الشياطين.

نظر إلى أبو فهد.

ثم ابتسم ابتسامةً واسعة شقت وجهه حتى الأذنين.

وبهمسةٍ خشنة اخترقت الزجاج السميك واستقرت مباشرة داخل عقول جميع من في الحافلة، قال:

— «افتحوا الباب… إحنا جوعانين لدفاكم أكثر مما تتخيلون…»
بدأت الذئاب في الخارج تضرب جانبي الحافلة بأجسادها الضخمة والقوية، حتى أخذت الحافلة العملاقة تميل تدريجياً إلى أحد الجوانب. لم تكن تحاول تحطيمها، بل كانت تريد قلبها وفتحها كما تُفتح علبة سردين.

تعالت داخل الحافلة صرخات الرعب والبكاء، لكن وسط هذا البحر اللامتناهي من الرمال والعاصفة، لم يكن هناك أحد ليسمع استغاثاتهم.

**طراخ!**

تحطم الزجاج الخلفي إلى آلاف الشظايا، واندفعت إلى الداخل موجة من الرمال والهواء الصحراوي الحارق.

لكن أول ما دخل لم يكن ذئباً.

كانت ذراعاً بشرية شاحبة وهزيلة، بأصابع طويلة ملتوية تشبثت بإطار النافذة، ثم تبعها جسد مشوه ومتلوٍ لذلك الكائن ذي الوجه الشيطاني.

قفز إلى الداخل، ولحقت به الذئاب واحداً تلو الآخر.

لكن الغريب أنها لم تهاجم أحداً.

بدأت تتحرك ببطء بين المقاعد، تشم الركاب واحداً تلو الآخر، تتجاوز هذا وتتوقف عند ذاك، وكأنها تبحث عن شيء محدد كُتب له أن يكون هناك.

ضرب أبو فهد المقود بقبضته وهو يصرخ يائساً، بينما بقيت الحافلة مشلولة بالكامل.

وفجأة…

توقفت جميع الذئاب في اللحظة نفسها.

واستدارت رؤوسها دفعة واحدة نحو آخر الحافلة.

في ذلك الركن المظلم، كان يجلس شيخ مسنّ يرتدي دشداشة داكنة اللون. طوال الرحلة لم ينطق بكلمة واحدة، وكان يحتضن حقيبة جلدية صغيرة إلى صدره.

ابتسم الكائن المشوه بصوت أجش وقال:

— **«لقيناك أخيراً… يا حارس البوابة.»**

ثم انحنى له بانحناءة غريبة ومخيفة.

رفع الشيخ رأسه ببطء، وكان وجهه رمادياً كأنه مغطى بالرماد، ثم تنهد وقال:

— **«بالنهاية قدرتوا توصلون لي.»**

نظر إلى الركاب المذعورين من حوله وأردف بصوت متعب:

— **«قبل أربعين سنة، أثناء بعثة أثرية في جبال المطلاع، اكتشفنا غرفة قديمة مدفونة عميق تحت الرمال. كنا نسمع همسات تنادينا من الداخل… كان المفروض نهرب. لكن فضولنا خلانا نفتح باب ما كان لازم ينفتح.»**

ثم أشار إلى الكائن المشوه وقال:

— **«هذولا كانوا رفاقي. العاصفة ما خلقتهم… العاصفة بس أيقظتهم. وكل كم سنة، إذا غضبت الصحراء، يصحون ويدورون على أرواح جديدة تحل محل الأجساد اللي تحللت.»**

بعدها فتح حقيبته الجلدية ببطء، وأخرج جرساً نحاسياً أسود قديماً، محفوراً عليه رموز غامضة من حضارات بلاد الرافدين.

وما إن ظهر الجرس حتى تراجعت الذئاب للخلف وهي تزأر باضطراب وخوف.

ابتسم الشيخ بهدوء وقال:

— **«الباب اللي انفتح بالأرواح… ما ينقفل إلا بروح الحارس.»**

ثم بدأ يتجه نحو باب الحافلة بخطوات ثابتة.

صرخ أبو فهد:

— **«إذا طلعت الحين، العاصفة بتمزقك!»**

لكن الشيخ لم يلتفت، واكتفى بالقول:

— **«أنا ميت من أربعين سنة.»**

انفتح الباب.

وفي لحظة واحدة ابتلعته الرمال والعاصفة.

بعدها مباشرة، تبعته الذئاب والكائنات المشوهة، واختفت كلها في ظلام الصحراء، تاركة خلفها صمتاً مرعباً.

مرت دقيقة…

ثم دقيقتان…

وفجأة عادت الكهرباء إلى الحافلة، وأخذ المحرك يعمل من جديد.

لم يتردد أبو فهد لحظة.

ضغط على دواسة الوقود بكل قوته، فانطلقت الحافلة كالسهم تشق ظلام الصحراء هاربة من تلك الأرض الملعونة.

وبعد ساعات طويلة، ومع أول خيوط الفجر فوق المدينة، وصلت الحافلة أخيراً إلى محطة آمنة.

نزل الركاب وهم يبكون أو يحتضنون بعضهم بعدما نجوا من الموت.

أما أبو فهد فبقي جالساً خلف المقود، وعيناه جامدتان من شدة الصدمة.

لأنه قبل دخول المدينة بقليل، لمح في المرآة الجانبية مشهداً لن ينساه ما حيي.

بعيداً بين الكثبان المغطاة بالضباب، كان يرى ذلك الشيخ واقفاً فوق أعلى تل رملي.

وحوله عشرات ذئاب الصحراء…

راكعة عند قدميه بخشوع واحترام.

لم يعد ذلك الشيخ إنساناً بعد الآن.

لقد أصبح سيد عواصف الصحراء الجديد.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top