“الرجّال طيب زيادة وما يدري عن شي”: أب رجع من دبي بدري… وانصدم يوم شاف بنته عمرها 8 سنين راكعة تمسح الأرض!

صار لي سنتين من يوم توفت زوجتي. ومن بعدها، الفيلا الكبيرة بمنطقة الجابرية الراقية بالكويت صارت واسعة بشكل يخوّف… باردة وفاضية مهما كانت الأنوار شغالة. وبسبب شغلي باستشارات النفط والطاقة، كنت طول الوقت متنقل بين دول الخليج، فما كان عندي خيار غير أوظّف مربية تعيش معانا بشكل كامل.

خديجة كانت حرمة بأواخر الأربعينات، جاية من منطقة ثانية، هادية بالكلام، دايم تستقبلني بابتسامة واحترام مبالغ فيه وتقول:
“سافر وإنت مرتاح يا طويل العمر… أنا أحب اليهال مثل عيالي.”

وكنت أصدقها… لأني كنت محتاج أصدق أي شي يخليني أطلع للشغل وقلبي مطمّن.

ذاك اليوم، خلص شغلي بدبي أبكر بنص يوم. ركبت أول طيارة للكويت بدون ما أخبر أحد، بس أبي أفاجئ عيالي وأحضنهم بعد هالغيبة.

فتحت باب الفيلا…

وكان الهدوء مرعب.

دخلت الصالة الرئيسية… وفجأة تجمدت بمكاني.

بنتي الكبيرة، أمينة — عمرها بس 8 سنين — كانت راكعة على الأرض الرخام، ماسكة خرقة مبللة وتمسح الأرض بإيدين ترتجف من التعب. وعلى ظهرها مربوط أخوها الصغير زايد، عمره سنتين، نايم ومتكي على كتفها بقطعة شيلة قديمة.

جسمها الصغير كان يهتز من الإرهاق… لكنها كانت للحين تحاول تنظف كل نقطة موية على الأرض.

قلبي انكسر بنفس اللحظة.

وقبل لا أركض وأحضنها، رن تلفون المطبخ الكبير.

خديجة ردّت.

وأنا بدون ما تحس، وقفت ورا جدار الممر، أحبس نفسي…

وبديت أسمع كلامها.

كلام بارد… حقير… كله خبث واستغلال… خلاني أحس إن الدم تجمد بعروقي.
وقفـت متجمّد بمكانـي بظلام الممر، والـiPhone بيدي كان مشغّل التسجيل تلقائي بدون ما أحس. صوت خديجة طلع خشن ومليان شماتة وهي تتكلم بالعربي مع اللي على الخط:

“إي والله، خليت البنية تتعوّد على شغل البيت من الحين. البنت الكبيرة لازم تتربّى على الخدمة، لا تكبر وتصير كسولة وما تنفع بشي. أبوها؟ ههههه، طارق هذا طيب زيادة عن اللزوم، طول عمره بسفر وشغل، ومن يوم ماتت أمهم وهو ما يدري شالسالفه اللي تصير بهالبيت.”

أحشائي انقلبت، وإيدي شدت على زاوية الجدار لين حسّيت أظافري بتدخل باللحم. بس الجملة اللي بعدها… كانت اللي دفعتني لقاع الجحيم.

“تبچي البنية؟ خليها تبچي، بعد كم مرة تتعوّد. مرة عنّدت علي، خوّفتها عدل. قلت لها: إذا ما تسمعين كلامي، بخلي أبوچ يقطچ بالشارع ويتركچ مثل ما أمچ تركتچ. عقبها خافت وصارت مطيعة مثل الجرو.”

أذني طقّت، والدنيا سوّدت بعيوني.

لفّيت أناظر الصالة… أمينة بعدها راكعة على الرخام البارد، العرق مغرق شعرها وملابسها، وشفايفها معضوضة لين نزل منها دم خفيف، بس مو قادرة حتى تطلع صوت. كانت خايفة… خوف طفل فقد أمّه ويحسب إن آخر شخص يحبه ممكن يختفي بأي لحظة إذا ما صار “طفل مثالي” بعيون وحش.

## الفصل الثاني: حكم بعشر دقايق وغضب أب بارد مثل الموت

أول ما سكّرت خديجة المكالمة، طلع صوت السماعة “طَق”. بنفس اللحظة طلعت أنا من الظل.

خديجة انتفضت، والتلفون كاد يطيح من يدها. ملامحها انقلبت من غرور إلى رعب. ما عطيتها فرصة حتى تبرر.

مشيت بهدوء، فكّيت القماش اللي مربوط فيه زيد على ظهر أخته، وشلت ولدي الصغير بحذر وحطيته ينام على الكنبة.

بعدها ركعت قدام أمينة، وإيدي ترجف وأنا ألمس كتفها الصغير.

“أمينة… شقاعد تسوين يا بابا؟”

رفعت عيونها لي… ثانية وحدة بس، وبعدها انفجرت تبچي بشكل يقطع القلب. ارتمت بحضني وهي تنتحب:

“آسفة يبه… الأرض مو نظيفة عدل… لا تخليني بروحي… والله بصير شاطرة…”

هالكلمات ذبحتني.

وقفت ببطء… والتفت لخديجة اللي كانت ترجف بالمطبخ.

نزلت صوتي بهدوء مرعب:
“لمي أغراضچ الوسخة واطلعي من بيتي خلال عشر دقايق.”

بدأت تتلعثم وتقرب مني:
“أستاذ طارق، والله فهمتني غلط… كنت بس أعلّمها تعتمد على نفسها…”

رفعت الـiPhone بوجهها، وخليتها تسمع تسجيل صوتها بكل كلمة مليانة سمّ.

“إذا نطقتي حرف زيادة، التسجيل هذا يروح مباشرة للداخلية ومخفر الجابرية بتهمة تعنيف أطفال واستغلالهم. باقي لج تسع دقايق. اطلعي.”

لما شافت وجهي، عرفت إن الموضوع انتهى.

جمعت أغراضها بسرعة، وخذت شنطتها وطلعت تركض من الفيلا، حتى المفتاح تركته فوق الطاولة.

## الفصل الثالث: شغلتچ الوحيدة… تكونين طفلة

بنفس الليلة، كتبت إيميل رسمي لإدارة شركة النفط. طلبت أنسحب من المنصب اللي يخليني أسافر طول الوقت، وأتحول لوظيفة مكتبية عادية بالكويت.

معناه راتب أقل، امتيازات أقل، سفر أقل.

بس ما ندمت.

الفلوس تتعوّض… روح عيالي لا.

بالليل، عقب ما ناموا الشغار، قعدت على أرضية الصالة أمسح آثار الماي اللي كانت أمينة تنظفها الظهر.

طلعت أمينة بهدوء من الغرفة، وقعدت جنبي، ومدّت يدها الصغيرة تاخذ الخرقة.

“يبه… خلني أنا. هالمرة بعرف أمسح عدل.”

وقفت.

حطيت الخرقة على الأرض، وسحبتها لحضني بقوة، وخليت دموعي تنزل بدون خجل.

“لا يا أمينة… من اليوم ورايح، الشي الوحيد المطلوب منچ بهالبيت إنچ تلعبين، تدرسين، وتعيشين طفولتچ مثل أي بنت طبيعية. أبوچ رجع… وما راح يتركچ مرة ثانية.”

ومن ذاك اليوم فهمت درس ما ينساه أي أب:
مو كل شخص يتكلم بلطف يكون إنسان طيب… وبعض جروح الأطفال، إذا أهلهم ما رجعوا بدري يحضنونهم، تتحول لندوب تعيش معاهم العمر كله.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top