في ليلة شتوية قاسية تقصّ العظم داخل منطقة المسايل الهادئة بالكويت، كان قصر رجل الأعمال النفطي سعود المزيّد المكان الوحيد اللي ما زالت أنواره مضوية بقوة. لكن هالأنوار ما كانت تقدر تكسر برودة الجدران الحجرية العالية ولا نظرات كاميرات المراقبة المنتشرة مثل صقور تحرس المكان.
بالنسبة لـ حصة، البنت النحيفة اللي عمرها أحد عشر سنة، كان ذاك القصر آخر أمل لها.
كانت حاضنة أخوها الرضيع يعقوب بقوة داخل عباءتها الخفيفة. الصغير كان يحتر من الحمى، وجسمه يرتجف، وشفايفه اليابسة تتحرك بحثًا عن أي قطرة حليب تبقيه حيّ. ابتلعت حصة دموعها، ورفعت يدها المرتجفة تدق على الباب الخشبي الضخم.
في الداخل، كان سعود المزيّد جالس يراجع عقد امتياز لحقول نفطية قيمته مئات الملايين من الدنانير. رجل عاش عمره بين الأرقام والصفقات والقرارات الباردة. لكن طرقات الباب الضعيفة بهالوقت المتأخر لفتت انتباهه.
لما انفتح الباب شوي، همست زوجته لولوة وهي واقفة بعباءتها الحريرية الفاخرة:
“انتبه… يمكن هذي حركة مدبّرة للسرقة.”
وقفت حصة عند المدخل، تنظر إلى لوحة “ممنوع الدخول” المعلقة بجانب البوابة، ثم قالت بصوت مختنق بالبكاء:
“والله ما أبي فلوس… أقسم بالله ما آخذ فلس واحد. بس أبي كاس حليب… حتى لو نص كاس… حق أخوي.”
كان سعود على وشك يسكّر الباب وينهي الموضوع كله، حفاظًا على خصوصية عالمه البعيد عن الناس. لكنه توقف وسألها ببرود:
“ومن دلّك على بيتنا؟”
أنزلت البنت رأسها وقالت بصوت خافت بالكاد يُسمع:
“جدتي… أم أحمد… الشيخة زينب.”
طراااخ!
سقط كوب الشاي من يد سعود وتحطم على أرضية الرخام.
تغيّر لون وجهه فجأة، وكأنه شاف شبحًا من الماضي.
الشيخة زينب.
الاسم اللي ما سمعه من أكثر من عشرين سنة.
المرأة اللي وقفت معه يوم كان شابًا فقيرًا لا يملك شيئًا.
المرأة اللي أنقذته من الجوع والضياع.
المرأة اللي أقسم يومًا أنه سيرد لها الجميل مهما طال الزمن…
ثم خان وعده واختفى عندما فتحت له الدنيا أبواب الثراء والمجد.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، كانت حفيدتها واقفة على بابه في ليلة باردة تطلب فقط كوبًا صغيرًا من الحليب.
في ليلة شتوية قارسة تكسر العظم في منطقة **المسايل** الهادئة على أطراف مدينة الكويت، كان قصر الملياردير النفطي **سعود المزيّد** المكان الوحيد اللي لا تزال أنواره مشتعلة وسط الظلام.
وكان هذا أول شيء لفت نظر الطفلة **حصة**.
ما كانت تطالع الجدران الحجرية الشاهقة، ولا الأعمدة الرخامية المزخرفة بإتقان، ولا كاميرات المراقبة المنتشرة فوق البوابات مثل صقور تراقب فرائسها. كل اللي كانت تشوفه هو الضوء الأصفر الدافئ المتسلل من النوافذ الزجاجية الكبيرة. كانت تفكر إن أكيد فيه أحد صاحي داخل هالبيت… ويمكن بعد باقي فيه رحمة بقلبه.
واقفة تحت المظلة تحتمي من رياح الصحراء الباردة، ضمّت حصة أخوها الرضيع **يعقوب** إلى صدرها بقوة. كان جسمه يحتر من الحمى، وأنفاسه الساخنة تضرب كتفها النحيل، وشفايفه الصغيرة تتحرك باستمرار وكأنه يدور على قطرة حليب تبقيه حي.
همست والدموع تلمع بعينيها:
“يا الله… افتح لي باب واحد بس… شخص واحد بس يسمعني.”
رفعت يدها المرتجفة من البرد وطرقت الباب الخشبي الضخم طرقات خفيفة.
في داخل القصر، سمع سعود الصوت وتوقف مكانه.
كان واقفًا في مكتبه الخاص، بيدٍ يحمل كوب شاي بالزعفران، وباليد الثانية عقد امتياز نفطي قيمته مئات الملايين من الدنانير؛ صفقة قد تغيّر موازين سوق الطاقة في الخليج كله.
حياة سعود صارت تدور حول الأرقام والمساهمين والقرارات الباردة.
لكن هالطرقات كانت مختلفة.
ضعيفة بشكل غريب…
ومليانة يأس.
تكرر الطرق مرة ثانية.
ظهرت زوجته **لولوة** أعلى الدرج وهي ترتدي عباية حريرية فاخرة.
“سعود؟ سمعت شي؟”
“إيه.”
“لا تفتح الباب قبل ما تشيك الكاميرات.”
مشى سعود إلى شاشة المراقبة بجانب المدخل.
ظهر على الشاشة طفلة صغيرة.
نحيفة جدًا، سمراء بملامح أهل الصحراء، جميلة بشكل لافت رغم التعب والإرهاق. عمرها تقريبًا أحد عشر سنة أو أقل. ملابسها الخفيفة ما كانت تكفي برد الليل، وذراعاها مشدودتان من ثقل أخيها الرضيع اللي تحمله.
لكن أكثر شيء شد انتباهه كان عيونها.
عيون أكبر من عمرها بكثير.
عيون طفلة شافت من الدنيا أكثر مما ينبغي.
فتح الباب نصف فتحة.
فاندفعت برودة الليل الصحراوي إلى داخل البهو الكبير.
رفعت حصة رأسها إليه وشدت أخاها أكثر إلى صدرها.
وقالت بصوت مهذب ومكسور في الوقت نفسه:
“يا عمّي… أنا بس أبي كاس حليب حق أخوي.”
ظل سعود صامتًا وهو يراقبها.
أما هي فتكلمت بسرعة وكأنها تخاف أن يُغلق الباب في أي لحظة:
“والله ما أبي فلوس… أقسم بالله ما آخذ فلس واحد. بس أبي كاس حليب، وإذا ما فيه كاس كامل، حتى نص كاس يكفي… حق أخوي المسكين.”
نظر سعود إليها، ثم إلى الطريق الخالي خلفها.
ما فيه سيارة.
ما فيه شخص بالغ معها.
ما فيه أحد يفسر وجودها.
بس ظلام الليل، وأشجار النخيل الساكنة، ولوحة نحاسية عند البوابة مكتوب عليها:
*”ملكية خاصة – ممنوع الدخول – المخالف يعرّض نفسه للمساءلة القانونية.”*
سألها سعود بنبرة حادة:
“وش اسمك؟”
“حصة يا عمّي.”
“والطفل؟”
“يعقوب.”
“وين أبوك وأمك؟”
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
“ما أدري وين أمي… وأبوي تركنا من زمان.”
في هذه اللحظة نزلت لولوة ووقفت خلف زوجها.
“وش السالفة؟”
رد سعود دون أن يبعد عينيه عن الطفلة:
“بنت صغيرة… تبي حليب.”
اقتربت لولوة تنظر إلى حصة بعين حذرة؛ نظرة امرأة من الطبقة الثرية اعتادت أن الثروة تجذب المحتالين والمشاكل.
همست:
“سعود… انتبه. يمكن تكون حركة مدبرة.”
نظرت حصة إليها وانحدرت دمعة على خدها.
“سامحيني يا خالة… والله ما كنت أبي أزعجكم. بس يعقوب من الصبح ما دخل بطنه ولا قطرة حليب.”
قالت لولوة بلطف ممزوج بالحذر:
“يا بنتي، هذي منطقة بيوت خاصة. ما يصير تدقين أبواب الناس بالليل بهالطريقة.”
هزّت حصة رأسها وسط شهقاتها:
“أدري… والله أدري. بس طرقت كم بيت قبل بيتكم، وكلهم طردوني وما أحد فتح لي.”
تغيرت نظرة سعود فجأة.
وسألها ببطء:
“إذا كل البيوت رفضتك… ليش جيتي بالتحديد عند بيتي أنا؟”
—
ظل يحدق فيها لعدة ثوانٍ.
كان فيه شيء غريب في هالبنت.
مو خوف متسولة.
ولا ضعف محتاجة.
كان فيها يقين.
كأنها جاية تدور عليه هو بالذات.
فتح الباب أكثر قليلًا وسأل:
“من اللي قال لك تجين هنا؟”
خفضت حصة رأسها وقالت بصوت خافت:
“جدتي.”
انقبض قلب سعود فجأة.
“من جدتك؟”
رفعت عينيها المبللتين بالدموع وقالت ببطء:
“أم أحمد… الشيخة زينب.”
**طشششش!**
سقط كوب الشاي من يد سعود وتحطم فوق الرخام الإيطالي.
صرخت لولوة:
“سعود! وش فيك؟!”
لكن سعود لم يعد يسمع شيئًا.
اختفى كل شيء من حوله.
وبقي اسم واحد فقط يتردد داخل رأسه.
**الشيخة زينب.**
الاسم الذي هرب منه عشرين سنة كاملة.
—
قبل عشرين سنة، ما كان سعود المزيّد مليارديرًا ولا صاحب إمبراطورية نفطية.
كان شابًا فقيرًا يعيش في حي متواضع بالجهراء.
توفي والده مبكرًا، وكانت أمه تكافح وحدها لإعالته.
أما المرأة الوحيدة التي احتضنته وعاملته كابن لها فكانت جارتهم الأرملة الطيبة…
**الشيخة زينب.**
هي اللي كانت تقسم له من رزقها القليل.
وهي اللي اشترت له كتبه الدراسية من مخصصاتها البسيطة.
وهي أول شخص بكى فرحًا يوم انقبل في كلية هندسة النفط بجامعة الكويت.
وعندما سافر للخارج وبدأ طريق النجاح، أمسك يدها وقال:
“أقسم بشرفي كرجل عربي… إذا رجعت وصرت غني، بخليك تعيشين مثل الملكات.”
لكنه لم يفِ بوعده.
ابتلعته الثروة.
والنفوذ.
والمجالس الفاخرة.
والعالم الجديد.
حتى نسي أن يتصل يومًا ويسأل عن المرأة التي صنعت مستقبله.
—
اقترب سعود من حصة بخطوات ثقيلة وسأل بصوت مرتجف:
“وين جدتك زينب الحين؟”
انفجرت الطفلة بالبكاء.
“ماتت… قبل شهر.”
شعر سعود أن الهواء اختفى من صدره.
تابعت وهي تنتحب:
“ماتت في بيوت الفقرا عند طرف الصحراء. وقبل ما تموت قالت لي إن العم سعود رجل قلبه ذهب… وإنه أكيد بيحمينا. بس يوم مرضت وما عادت تقدر تمشي، ما لقيناه.”
كانت الكلمات كالسكاكين.
سألت لولوة بلطف هذه المرة:
“شلون وصلتي للمسايل؟”
أخرجت حصة من كيس قماشي قديم ورقة مهترئة مطوية عشرات المرات.
أخذها سعود بيدين ترتجفان.
كانت تحمل عنوان قصره واسمه بالكامل.
وتحتها عبارة بخط يعرفه جيدًا:
*”يا حصة، إذا سكّر العالم أبوابه بوجهك، روحي لسعود. يوم كان صغير، كان قلبه أنقى من ماء الصحراء.”*
أغلق سعود عينيه.
هذه الجملة كانت أقسى عليه من أي خسارة مالية عرفها في حياته.
وفي تلك اللحظة، بدأ يعقوب يبكي بكاءً ضعيفًا مرعبًا.
هتفت حصة وهي تهدهده:
“هدي يا يعقوب… باقي شوي ويجي الحليب.”
وضعت لولوة يدها على جبينه ثم شهقت:
“يا ساتر… الولد مولّع من الحمى!”
من دون تردد، حمل سعود الطفل بين ذراعيه.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، استخدمت يداه اللتان اعتادتا توقيع عقود بملايين الدنانير لحمل طفل جائع وخائف.
ثم صرخ بالحراس:
“جهزوا الـSUV حالًا! على المستشفى الملكي فورًا!”