— “إذا ما كنت تعرف هالبنت اتصلت على مين… فالأفضل لك ما تمد يدك عليها.”
رنّ التلفون الساعة 2:13 بعد منتصف الليل، وصحاني من نومي على صوت بكاء متقطع. كان المتصل ريم، حفيدتي ذات الأربعة عشر عامًا، تبكي من داخل مخفر شرطة السالمية:
— “يبه… زوجة أبوي ضربتني، وبعدها خدشت رقبتها بنفسها عشان تتهمني. وأبوي صدّقها… وما عاد يصدقني!”
أنا الحاج عبدالعزيز، كبير إحدى العائلات المعروفة والمؤثرة في الكويت. ولما دخلت المخفر مرتديًا البشت المطرز بخيوط الذهب، توقف ضابط المركز فجأة وهو يمسك الملف بيده. تبدلت ملامحه من ثقة زائدة إلى شحوب شديد.
قال وهو يتلعثم:
— “سعادة العقيد… والله ما كنت أدري إن البنت اتصلت بحضرتك.”
دخلت غرفة التحقيق، وانقبض قلبي لحظة شفت ريم جالسة في الزاوية، منكمشة على نفسها، وخدها الأيسر متورم وعليه آثار دم خفيف.
قدامها كان يجلس فهد، ولدي، مطأطئ الرأس بعجز واضح.
وبجانبه زوجته شريفة، بثوبها الممزق بشكل يوحي بالاعتداء، وعلى رقبتها خدوش متقنة كأنها مرسومة بعناية.
كانت تتكلم بثقة كبيرة وتقول:
— “ريم بنت متمردة ومضطربة نفسيًا من يوم توفت أمها. هي اللي اعتدت عليّ وضربتني.”
لكنهم ما كانوا يعرفون إني عشت عمرًا طويلًا بما يكفي لأميز الكذب مهما كان متقنًا.
نظرت إليها ببرود وقلت للضابط:
— “أبي فورًا تسجيل كاميرات المراقبة اللي تغطي الممر الخلفي عند باب المطبخ.”
في اللحظة اللي نطقت فيها عبارة “ممر المطبخ”، اختفت الثقة من وجه شريفة بالكامل.
تجمدت ملامحها.
واتسعت عيناها.
وحلّ مكان غرورها خوفٌ حقيقي لا يمكن إخفاؤه.
وفي تلك اللحظة بالذات، أدركت أن الحقيقة التي تحاول إخفاءها أخطر بكثير مما كان يتخيله أي شخص داخل تلك الغرفة.
فماذا سجّلت الكاميرات في تلك الليلة؟
وكم سيدفع الأب الأعمى ثمن ثقته العمياء بعد أن اختار الوقوف مع زوجته على حساب ابنته؟
رنّ جرس الهاتف الفضائي ممزقًا سكون غرفة النوم. انتفضت من فراشي ونظرت إلى الساعة الرقمية المعلقة على الجدار: **02:13 بعد منتصف الليل**. منذ سنوات طويلة وأنا أعاني من الأرق، لكن اتصالًا في مثل هذا الوقت لا يحمل عادةً إلا خبرًا سيئًا.
رفعت السماعة، فجاءني من الطرف الآخر صوت ضعيف مرتجف تختنق كلماته بالبكاء. كان صوت **ريم**، حفيدتي الغالية ذات الأربعة عشر عامًا:
— **”يدي… يدي…”**
انقبض قلبي فورًا.
— **”ريم! شفيك يا بنتي؟ ليش للحين صاحيه بهالوقت؟”**
ردّت وهي تنتحب:
— **”أنا… أنا بالمخفر في السالمية… زوجة أبوي ضربتني، وبعدها اتصلت على الشرطة وخَلَّتهم يمسكوني، وتقول إني أنا اللي اعتديت عليها. وأبوي… أبوي صدّقها بالكامل… وما عاد يصدقني يا يدي!”**
لثلاث ثوانٍ كاملة تجمدت في مكاني، وكأن الهواء انقطع من صدري.
ثم استيقظت داخلي غريزة الرجل الذي قضى عمره يقود عائلته ويحميها.
قفزت من السرير، وارتديت بسرعة **البشت** الصوفي الفاخر فوق **الدشداشة** البيضاء، وسألتها بحزم:
— **”وين بالضبط يا ريم؟ لا تخافين، أنا جاي.”**
همست وهي تحاول الاختباء في زاوية بعيدة:
— **”في مخفر السالمية المركزي… بس أرجوك يا يدي، لا تقول لهم إني اتصلت عليك. هي هددتني وقالت إذا كبرت الموضوع بتخلي أبوي يبعدني عنه للأبد… وما راح أشوفه مرة ثانية.”**
كانت كلماتها الأخيرة كطعنة مباشرة في قلبي.
أنا **الحاج عبدالعزيز**، الرجل الذي ربّى ابنه **فهد** بيده، وكنت أظن أني أعرفه أكثر من أي شخص في هذه الدنيا.
لكن منذ وفاة أم ريم بعد صراع طويل مع المرض، تحطم شيء عميق داخله.
وفي تلك الفترة بالذات دخلت **شريفة** حياته.
امرأة تتقن ارتداء قناع الرقي والأناقة. دائمًا بأفخم التصاميم العالمية، وعطورها الفاخرة تسبق حضورها أينما ذهبت. لكن خلف ذلك المظهر المثالي كانت تختبئ شخصية أخرى أكثر ظلمة مما يتخيله الناس.
## ٢. هيبة كبير العائلة
بعد أقل من عشرين دقيقة، توقفت سيارتي أمام مخفر السالمية.
كان الهواء في الداخل مشبعًا برائحة القهوة العربية المحروقة ممزوجة برائحة مواد التنظيف الباردة.
رفع ضابط شاب رأسه من شاشة الحاسوب، وما إن وقعت عيناه على البشت المطرز بخيوط الذهب حتى تغيرت نبرته فورًا.
— **”تفضل يا طويل العمر، شلون نقدر نخدمك؟”**
قلت ببرود:
— **”جيت بخصوص قضية ريم فهد عبدالعزيز.”**
توقفت أصابعه فوق لوحة المفاتيح.
رفع رأسه ببطء وسأل:
— **”تقرب لها شنو يا طويل العمر؟”**
— **”أنا جدها. الحاج عبدالعزيز.”**
في اللحظة نفسها انفتح الباب الجانبي لغرفة المناوبة.
خرج ضابط أعلى رتبة يحمل ملف القضية بيده.
نظر إليّ لثوانٍ معدودة، وكان واضحًا أن اسم **عبدالعزيز** وما يمثله من ثقل اجتماعي في الكويت قد وصل إلى عقله فورًا.
اختفى اللون من وجهه.
وتقدم نحوي قائلًا بصوت مرتبك:
— **”سعادة العقيد… والله ما كنت أدري إن البنت اتصلت بحضرتك.”**
نظرت إلى اللوحة النحاسية المثبتة على صدره.
— **”ملازم شريف… وين حفيدتي؟”**
ابتلع ريقه وأشار إلى الممر.
— **”في غرفة التحقيق رقم ٢ يا طويل العمر.”**
ارتفع صوتي في أرجاء المركز:
— **”ومن متى يتم التحقيق مع طفلة عمرها أربعة عشر سنة الساعة ثنتين الفجر بدون محامٍ أو ولي أمر قانوني؟”**
ارتبك الملازم شريف ونظر نحو الممر.
— **”أبوها موجود داخل يا طويل العمر… الأستاذ فهد.”**
قلت بحدة:
— **”أبوها الحين أعمته الأكاذيب وما عاد يشوف الحقيقة.”**
ثم تجاوزته واتجهت مباشرة نحو غرفة التحقيق.
## ٣. سقوط الأقنعة
من خلف الزجاج أحادي الاتجاه رأيت ريم.
كانت جالسة على كرسي معدني بارد، تضم ذراعيها حول نفسها.
خدها الأيسر متورم بشكل واضح، وكدمة داكنة بدأت تنتشر تحت فكها، بينما كانت شفتاها متشققتين وينزف منهما أثر دم خفيف.
على الجهة المقابلة جلس **فهد** مطأطئ الرأس، غارقًا في حيرته وعجزه.
وبجانبه جلست **شريفة**.
كانت ترتدي كنزة بيضاء أنيقة، وقد تمزق أحد أكمامها، بينما ظهر على رقبتها خدش أحمر واضح.
ما إن رأتني أدخل حتى تصلبت ملامحها.
قفز فهد واقفًا وقال بصدمة:
— **”يبه؟ شجابك بهالوقت؟”**
تجاهلته تمامًا.
وفي اللحظة نفسها نهضت ريم كالسهم وارتمت في حضني.
تشبثت بي بقوة حتى كادت قدماي تخوناني.
كانت ترتجف كطائر صغير أصابه الرعب.
— **”يدي… والله ما سويت شي… أقسم بالله ما ضربتها!”**
ربتُّ على ظهرها برفق.
— **”أدري يا بنتي… أدري.”**
عندها أطلقت شريفة ضحكة ساخرة وقالت:
— **”طبيعي توقف بصفها يا عمي. من أول يوم وأنت ما تقبلتني كزوجة ثانية.”**
نظرت إليها بهدوء.
مررت عيني على كمها الممزق، ثم على يدي ريم الخاليتين من أي آثار خدوش أو عراك.
ثم قلت بصوت منخفض لكنه حاد:
— **”أنا ما أكرهك يا شريفة. لكني عشت عمرًا طويلًا بما يكفي لأعرف المسرحية الرخيصة أول ما أشوفها.”**
نظر إليّ فهد بتعب واضح.
— **”يبه… تكفى لا تعقد الأمور أكثر. أنا شفت إصابات شريفة بعيني.”**
استدرت نحو الملازم شريف الواقف عند الباب.
— **”ملازم شريف، أبي فورًا تسجيلات كاميرات دورية الشرطة الأولى اللي وصلت للموقع. وأبي إفادات الجيران كلهم حول الفيلا في السالمية.”**
ثم توقفت لحظة وأضفت:
— **”والأهم من هذا كله… أبي تسجيل كاميرا المراقبة الموجودة بالممر الخلفي المؤدي إلى المطبخ.”**
ما إن خرجت عبارة **”الممر المؤدي إلى المطبخ”** من فمي حتى اختفى كل ما تبقى من ثقة شريفة.
اتسعت عيناها.
وشحب وجهها.
وظهر في نظراتها خوف حقيقي لا يمكن إخفاؤه.
وفي تلك اللحظة تحديدًا… عرفت أن الحقيقة التي تحاول دفنها أخطر بكثير مما يتخيله فهد.
**٤. انكشاف الحقيقة**
حاولت شريفة تستعيد هدوءها وتتماسك، لكن كان الوقت متأخر. الخوف بنفسه فضحها.
قال الملازم شريف بنبرة متحفظة:
— **”سعادة العقيد، استخراج تسجيلات الكاميرات الخاصة من نظام الفيلا ممكن يحتاج بعض الوقت.”**
أجبته وأنا ما زلت أضم ريم إلى جانبي:
— **”أنا عندي عمر كامل أنتظر فيه الحقيقة.”**
تقدمت شريفة خطوة للأمام وقالت بحدة:
— **”ما له داعي كل هالتعقيد! هالبنت من يوم توفت أمها وهي صارت متمردة ومضطربة نفسيًا، وتسبب مشاكل بكل مكان.”**
التصقت ريم بي أكثر، وما نطقت بحرف واحد.
وسكوتها كان يؤلمني أكثر من أي دفاع.
ريم اللي عرفتها دائمًا قوية وشجاعة، صارت اليوم خائفة لدرجة أنها فقدت القدرة على الكلام.
وفجأة دخل أحد رجال الشرطة بسرعة وهو يحمل وحدة تخزين إلكترونية.
اقترب من الملازم شريف وهمس له بكلمات قصيرة.
تغيرت ملامح الملازم فورًا.
ثم التفت نحو شريفة وقال بصرامة:
— **”مدام شريفة، تفضلي اجلسي.”**
— **”ليش؟ شنو قاعد يصير؟”** قالت وهي ترتجف.
— **”قلت اجلسي.”**
—
انتقلنا إلى غرفة فنية صغيرة فيها شاشة عرض كبيرة.
كانت اللقطة مأخوذة من كاميرا مراقبة تابعة للفيلا المجاورة، وتُظهر بوضوح الممر المؤدي إلى مطبخ منزل فهد.
ظهر في التسجيل ريم واقفة وحدها قرب المغسلة.
هادئة… منشغلة بنفسها… وما كانت تسوي أي شيء.
بعد لحظات دخلت شريفة.
رغم عدم وجود صوت، إلا أن حركاتها كانت كافية لفهم كل شيء.
كانت تصرخ على ريم بعنف.
أما ريم فكانت مطأطئة رأسها وتحاول الابتعاد والصعود للطابق العلوي.
لكن فجأة…
اندفعت شريفة نحوها وأمسكت شعرها بقوة وسحبته إلى الخلف بعنف شديد.
ساد الصمت في الغرفة.
أما فهد فوقف من مكانه مباشرة وعيناه متسمرتان على الشاشة.
استمر التسجيل.
دفعت شريفة ريم بقوة نحو حافة الرخام الحادة في المطبخ.
سقطت البنت متألمة.
لكن شريفة لم تتوقف.
صفعتها.
مرة.
ومرتين.
وثلاث مرات.
بينما كانت ريم تبكي وتحاول حماية وجهها.
ثم هربت راكضة نحو الدرج.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في الثواني الأخيرة من الفيديو.
بعد خروج ريم، وقفت شريفة وحدها أمام المرآة الكبيرة في الممر.
أمسكت كم سترتها.
ومزقته بنفسها.
ثم رفعت أظافرها الحادة وخدشت رقبتها عمدًا حتى تركت أثرًا أحمر واضحًا.
صنعت الدليل الكاذب بيديها.
—
## ٥. الخلاص بعد العاصفة
خيّم صمت ثقيل على الغرفة.
كان وجه شريفة شاحبًا كأنه قطعة شمع.
أما فهد فبقي واقفًا يحدق في الشاشة غير مصدق.
ثم خرج صوته مكسورًا:
— **”مستحيل… شسويت أنا…”**
قال الملازم شريف ببرود:
— **”الفيديو موثق بالتوقيت الرسمي وما فيه أي أثر للتلاعب. شريفة، أنتِ موقوفة بتهمة الاعتداء على قاصر وتقديم بلاغ كاذب وتلفيق أدلة.”**
انهارت شريفة على الأرض وهي تصرخ:
— **”هذا كله مؤامرة! قاعدين تلفقون لي!”**
لكن ما أحد كان ينظر لها بعد الآن.
حتى فهد.
—
لما التفت فهد نحو ابنته وشاف الكدمات الحقيقية على وجهها الصغير…
انهار تمامًا.
أدرك أن أكثر شخص آذاها في تلك الليلة لم تكن شريفة فقط.
بل هو أيضًا.
لأنه لم يصدقها.
جلس على الكرسي وأخفى وجهه بين يديه وبدأ يبكي.
—
وبعد ساعة تقريبًا انتهت إجراءات توقيف شريفة.
ولما خرجنا من مخفر السالمية كانت خيوط الفجر الأولى بدأت تلوّن السماء.
كان هواء الكويت الصباحي منعشًا، والطرق شبه خالية.
كانت ريم تمشي بجانبي بصمت.
ثم رفعت رأسها نحوي وسألت سؤالًا مزق قلبي:
— **”يدي… أبوي للحين يحبني؟”**
توقفت في مكاني.
ونظرت إلى فهد الواقـف بعيدًا تحت ضوء أحد أعمدة الشارع.
عيناه كانتا حمراوين من البكاء.
قلت وأنا أمسح على شعرها:
— **”إيه يا بنتي… يحبك أكثر مما تتصورين. لكن بعض الناس لما ينكسرون من داخلهم، يرتكبون أغبى الأخطاء.”**
—
اقترب فهد ببطء.
ثم ركع أمام ابنته.
أمسك يدها الصغيرة بكلتا يديه وقال وهو يبكي:
— **”ريم… سامحيني. سامحي أبوك.”**
نظرت إليه ريم طويلًا.
مرت ثوانٍ بدت وكأنها سنوات.
ثم قالت بهدوء:
— **”أنا ما كنت أبي إلا إنك تصدقني.”**
كانت جملة بسيطة.
لكنها حطمت ما تبقى من قلب فهد.
احتضن قدميها وهو يبكي كطفل صغير.
وبعد لحظات من الصمت، فتحت ريم ذراعيها واحتضنت أباها.
ليس لأنها نسيت الألم.
ولا لأن الجرح اختفى.
بل لأنها ما زالت طفلة تحتاج حب أبيها أكثر من أي شيء آخر في الدنيا.
—
مرت شهور طويلة بعد تلك الليلة.
وحُكم على شريفة بالعقوبة التي تستحقها وفق القانون بعد إدانتها بالاعتداء وتقديم بلاغ كاذب.
أما فهد فباع الفيلا التي امتلأت بالذكريات المؤلمة في السالمية، وانتقل مع ريم إلى مزرعة العائلة في **الوفرة**.
وبدأ رحلة طويلة لإصلاح ما أفسدته أخطاؤه.
شارك في جلسات الإرشاد الأسري، وتعلم كيف يسمع ابنته قبل أن يحكم عليها.
—
وفي إحدى أمسيات الغروب الدافئة، كانت ريم تقف أمام صورة أمها الراحلة في مجلس البيت.
التفتت نحو فهد الذي كان يحضّر القهوة العربية بجوارها وقالت بابتسامة خفيفة:
— **”أمي أكيد كانت بتزعل منك وايد.”**
انحدرت دمعة على وجه فهد.
ثم ابتسم بهدوء وأجاب:
— **”أدري… وعشان جذي، بقضي باقي عمري كله أحاول أصلّح اللي سويته يا بنتي.”**
وأنا أراقبهما يضحكان تحت شمس الصحراء الذهبية، أدركت أن تلك الليلة المرعبة في مخفر السالمية لم تكن نهاية عائلة.
بل كانت بداية نجاة…
وبداية شفاءٍ صنعته الرحمة، والمغفرة، ورابطة الدم التي لا تنكسر مهما اشتدت العواصف.